Wednesday، 04 March 202602:13 PM
آراء حرة

اللواء طارق جمعة يكتب: العملات المشفرة وتمويل الإرهاب.. بين سياسات ترامب والذكاء الاصطناعي

الأربعاء، 04 ديسمبر 2024 03:47 مساءً
اللواء طارق جمعة يكتب: العملات المشفرة وتمويل الإرهاب.. بين سياسات ترامب والذكاء الاصطناعي
لواء دكتور طارق جمعة – باحث فى شئون الارهاب والأمن الاقليمى بمعهد شئون الأمن العالمى والدفاع
15

شهدت العملات المشفرة تحولًا هائلًا منذ ظهورها لأول مرة مع إطلاق البيتكوين في عام 2008. بفضل تقنية البلوكتشين، أتاحت هذه العملات الرقمية معاملات مالية سريعة وآمنة ولا مركزية، مما جعلها محط اهتمام المستثمرين ورواد الأعمال. ومع ذلك، فإن الخصوصية العالية والمرونة التي توفرها هذه العملات جعلتها أيضًا أداة مفضلة للجماعات الإرهابية والمتطرفة. تستخدم هذه الجماعات العملات المشفرة كوسيلة لجمع الأموال وتحويلها، بعيدًا عن أعين الرقابة المالية التقليدية، مما يزيد من التحديات الأمنية التي تواجهها الحكومات.

العملات المشفرة تعتمد على تقنية البلوكتشين، التي تُسجل جميع المعاملات بشكل شفاف ودائم في دفتر عام موزع. ومع ذلك، فإن هذه الشفافية لا تشمل هويات الأطراف المشاركة في المعاملات، حيث تُستخدم عناوين مشفرة بدلاً من الأسماء الحقيقية. هذا التوازن بين الشفافية والخصوصية منح العملات المشفرة جاذبية فريدة، ليس فقط للأغراض المشروعة مثل الاستثمار والتجارة، بل أيضًا لأغراض مشبوهة مثل تمويل الإرهاب وغسيل الأموال. ومع توسع استخدامها، باتت الحكومات والمؤسسات الأمنية بحاجة إلى أدوات وتقنيات متقدمة لرصد التدفقات المالية المشبوهة ومنع إساءة استخدام هذه التكنولوجيا.

إحدى أبرز الأمثلة على استغلال العملات المشفرة في الإرهاب كانت في عام 2018، حيث استُخدمت البيتكوين لتمويل هجوم على كنيسة بطرسبيرج في الولايات المتحدة. قبل تنفيذ الهجوم، تلقى منفذ العملية تبرعات كبيرة بالبيتكوين، والتي استُخدمت لدعم جماعة يمينية متطرفة تورطت في الحادث. أظهرت التحقيقات أن التمويل كان جزءًا من شبكة أوسع تهدف إلى تعزيز الهجمات الإرهابية داخل الولايات المتحدة. هذا الحادث أثار قلقًا كبيرًا بشأن مدى قدرة الجماعات المتطرفة على استخدام العملات المشفرة لتمويل عملياتها بسرية.

وفي مثال آخر، اعتمد تنظيم داعش على العملات المشفرة، مثل البيتكوين ومونرو، لدعم أنشطته. في عام 2020، تمكنت وزارة العدل الأمريكية من تفكيك ثلاث شبكات تمويل مرتبطة بالتنظيم. كانت هذه الشبكات تستخدم العملات المشفرة لتحويل الأموال إلى مناطق الصراع، حيث استُخدمت في شراء أسلحة ودعم المقاتلين. تنظيم داعش ليس وحده الذي استفاد من العملات المشفرة؛ فقد استغلت جماعات أخرى مثل القاعدة العملات المشفرة لجمع الأموال، خاصة باستخدام عملة مونرو، التي تُعرف بقدرتها العالية على إخفاء تفاصيل المعاملات، مما يجعل تعقبها أمرًا بالغ الصعوبة.

أحدث مثال على استغلال العملات المشفرة في الإرهاب كان في الانتخابات الأمريكية لعام 2024، حيث استغلت جماعة النازيين الجدد المعروفة باسم “The Base” المناخ السياسي لجمع التبرعات بالعملات المشفرة. نشرت الجماعة رسائل علنية تدعو فيها مؤيديها إلى التبرع لدعم أنشطتها، بما في ذلك شراء معدات عسكرية مثل الطائرات بدون طيار والأسلحة. وأكدت الجماعة أن هذه الأموال ستُستخدم لتدريب أعضاءها على تكتيكات عسكرية متقدمة، مما يعكس درجة التنظيم والتخطيط التي تستخدمها هذه الجماعات لاستغلال التكنولوجيا الحديثة.

مع زيادة استخدام العملات المشفرة، أعلن الرئيس السابق دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية لعام 2024 عن خططه لتخفيف القيود التنظيمية المفروضة على هذه العملات. ترامب وصف إدارته بأنها ستكون “رائدة العملات المشفرة”، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة ستجعل الولايات المتحدة مركزًا عالميًا لتكنولوجيا البلوكتشين، مما يعزز الاقتصاد الرقمي ويجذب الاستثمارات. وقد تلقى ترامب دعمًا كبيرًا من خلال التبرعات الرقمية، حيث أفادت تقارير بأن لجنة عمل سياسي مؤيدة له تلقت أكثر من 7 ملايين دولار من التبرعات بالعملات المشفرة بين يونيو وأكتوبر 2024.

لكن هذه السياسات أثارت جدلًا واسعًا بين خبراء الأمن. فبينما يرى مؤيدوها أن تخفيف القيود التنظيمية سيفتح المجال أمام الابتكار، يحذر النقاد من أن ذلك قد يؤدي إلى عواقب وخيمة. تقليل الرقابة قد يجعل من الصعب على الجهات التنظيمية تعقب التدفقات المالية المشبوهة، مما يمنح الجماعات الإرهابية والجريمة المنظمة فرصة أكبر لاستخدام العملات المشفرة في أنشطتها.

على النقيض، تبنت إدارة الرئيس جو بايدن نهجًا أكثر تحفظًا تجاه العملات المشفرة. ركزت سياساته على فرض قوانين صارمة لضمان الامتثال لقوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. بينما يرى البعض أن هذه القوانين تُعوق الابتكار، فإنها تُعتبر ضرورية لحماية الأمن القومي ومنع إساءة استخدام العملات المشفرة.

في ظل التحديات المتزايدة التي تفرضها العملات المشفرة، أصبح الذكاء الاصطناعي أداة لا غنى عنها لمواجهة تمويل الإرهاب. بفضل قدرته على معالجة كميات هائلة من البيانات وتحليل الأنماط، يمكن للذكاء الاصطناعي اكتشاف التدفقات المالية المشبوهة وكشف الروابط بين الشبكات الإرهابية. يعمل الذكاء الاصطناعي كعنصر أساسي في جهود الحكومات لتعزيز الأمن القومي، خاصةً في التعامل مع التحديات الجديدة التي تفرضها العملات المشفرة.

في عام 2020، ساعدت أدوات الذكاء الاصطناعي في تفكيك شبكات تمويل مرتبطة بتنظيم داعش. استخدمت هذه الشبكات تقنيات متقدمة لتقسيم الأموال إلى تحويلات صغيرة تُرسل عبر محافظ متعددة لتجنب التدقيق. أنظمة الذكاء الاصطناعي تمكنت من تحليل هذه الأنماط وربطها بشبكات إرهابية، مما أدى إلى إحباط محاولات لتمويل عمليات إرهابية. وفي حادثة كنيسة بطرسبيرج استُخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل التحويلات المالية المرتبطة بالبيتكوين. ساعدت هذه الخوارزميات في ربط المعاملات بجماعات يمينية متطرفة، مما مكن السلطات من الكشف عن الشبكة المالية التي دعمت الهجوم.

أحد أهم مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي هو مراقبة النشاط على الإنترنت المظلم. يتم استخدام هذه التقنيات لتحليل النصوص والمنشورات التي تروج لجمع التبرعات بالعملات المشفرة. على سبيل المثال، تمكنت الأنظمة الذكية من كشف شبكة إرهابية كانت تستخدم عملة مونرو لجمع الأموال، مما أدى إلى تعطيل الشبكة وإحباط خططها.

رغم إمكانياته الهائلة، يواجه الذكاء الاصطناعي تحديات كبيرة في التعامل مع العملات المشفرة. العملات التي تركز على الخصوصية، مثل مونرو، تُخفي تفاصيل المعاملات، مما يجعل تعقبها أمرًا بالغ الصعوبة. كما أن الجماعات الإرهابية تعمل على تطوير أساليب جديدة لتجنب الكشف، مثل استخدام محافظ مؤقتة أو تقسيم الأموال إلى تحويلات صغيرة جدًا. بالإضافة إلى ذلك، تعتمد فعالية الذكاء الاصطناعي على توفر بيانات دقيقة وكافية. هذا يتطلب تعاونًا دوليًا لتحسين تبادل المعلومات بين الحكومات والمؤسسات المالية.

التعاون الدولي يُعتبر عنصرًا حاسمًا في مكافحة إساءة استخدام العملات المشفرة. تحتاج الحكومات إلى تنسيق جهودها لتطوير معايير تنظيمية موحدة وتبادل المعلومات حول الأنشطة المشبوهة. منظمات مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في تقديم الدعم الفني للدول التي تواجه تحديات في مراقبة العملات المشفرة. كما أن التعاون بين الحكومات وشركات التكنولوجيا ضروري لتطوير أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة لمكافحة تمويل الإرهاب.

مستقبل العملات المشفرة يعتمد بشكل كبير على قدرة الحكومات على تحقيق توازن بين دعم الابتكار وضمان الأمن القومي. في ظل عودة ترامب المحتملة إلى البيت الأبيض، يبقى السؤال الرئيسي: هل يمكن للولايات المتحدة أن تستفيد من إمكانيات العملات المشفرة دون أن تصبح ملاذًا آمنًا للجماعات الإرهابية؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل العملات الرقمية، بل أيضًا طبيعة الأمن العالمي في عصر التكنولوجيا المتقدمة.

تحقيق هذا التوازن ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة لضمان أن تكون العملات المشفرة أداة للتقدم وليس تهديدًا للاستقرار. باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتعزيز التعاون الدولي، وتطوير سياسات تنظيمية ذكية، يمكن للعالم أن يستفيد من هذه التكنولوجيا دون المخاطرة بالأمن العالمي