
عندما نتحدث عن حقوق الإنسان، ربما يتجه التفكير مباشرة إلى الحقوق السياسية والمدنية، كحرية التعبير والحق في المشاركة السياسية، لكن في حقيقة الأمر، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لا تقل أهمية، لأنها ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطن، وتشمل الحق في الصحة والتعليم والعمل، وأيضًا الحق في سوق آمنة ومنصفة.
ومن هذا المنطلق، تأتي حقوق المستهلك كجزء لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان. حيث إنها ليست مجرد رفاهية أو مطلب ثانوي، بل هي صمام أمان لحياة كل مواطن، وخاصة في ظل التحديات الاقتصادية الحالية التي تضع أعباءً ثقيلة على الأسر المصرية.
في الأسواق، نجد المواطن في مواجهة يومية مع العديد من التحديات؛ من ارتفاع الأسعار غير المبرر، إلى الممارسات التجارية الضارة، مثل الغش في المنتجات أو التلاعب في جودة السلع والخدمات. هذه القضايا لا تؤثر فقط على الاقتصاد، بل تمتد آثارها لتشمل حياة الناس وكرامتهم، وعلى مدار سنوات وتحديداً منذ يناير من عام ٢٠٢٢، كنا في المجلس القومي لحقوق الإنسان ندرك أهمية هذه القضية، ونعمل على تعزيز حماية المستهلك باعتبارها أولوية وطنية. خلال الفترة الأخيرة، ووجدنا أن هناك حاجة ماسة لتوحيد الجهود بين المؤسسات المختلفة لتوفير حماية شاملة للمستهلك المصري.
وفي هذا الاسبوع، وخلال حلقة نقاشية نظمناها بالتعاون مع جهاز حماية المستهلك، وأعضاء البرلمان من مجلسي النواب والشيوخ ، ومنظمات المجتمع المدني، كان الهدف واضحًا: وضع أسس قوية لحماية المستهلك المصري.
لم يكن اللقاء مجرد مناسبة رسمية او اجتماع بروتوكولي، بل كان نقاشًا صريحًا ومفتوحًا حول التحديات التي تواجه الأسواق، والحلول الممكنة لتجاوزها.
في هذا اللقاء، برزت فكرة وثيقة وطنية لحماية حقوق المستهلك كحل عملي لتوحيد الجهود، وجمع كل الأطراف المعنية تحت مظلة واحدة. حيث اتفق المشاركون على ان الوثيقة ليست فقط مجموعة من المبادئ، بل هي خطة عمل تضع في مقدمتها المواطن كأولوية، وتسعى لضمان حصوله على منتجات وخدمات آمنة وعادلة.
أثناء الحديث، شددنا على أهمية تعزيز وعي المواطن. إن المستهلك الواعي هو خط الدفاع الأول ضد أي ممارسات ضارة. هذا الوعي لا يقتصر على معرفة حقوقه فقط، بل يمتد ليشمل دوره في الإبلاغ عن المخالفات، ودعمه للجهود المبذولة لضبط الأسواق.
كما كان من المهم تسليط الضوء على دور جهاز حماية المستهلك، الذي يعمل بلا كلل لضبط الأسواق، والتصدي لأي ممارسات تؤثر على المواطن سلبًا. ومع ذلك، فإن هذا الجهد لا يمكن أن ينجح دون دعم من البرلمان والمجتمع المدني.
أحد أهم الجوانب التي ناقشناها كان الحاجة إلى آليات أكثر صرامة لتطبيق القوانين. القوانين التي تحمي المستهلك موجودة، لكن تنفيذها على أرض الواقع يحتاج إلى تضافر الجهود وتفعيل الرقابة بشكل أكبر، خاصة في المناطق الريفية والنائية التي تعاني من ضعف في هذه الجوانب.
اليوم، ونحن نبدأ أولى خطوات تنفيذ هذه الوثيقة الوطنية، أشعر بالفخر لما حققناه، لكنني أيضًا مدرك أن الطريق طويل. حماية المستهلك ليست مسؤولية جهة بعينها، بل هي مسؤولية الجميع. من الحكومة إلى المواطن، ومن الجمعيات الأهلية إلى القطاع الخاص، كلنا شركاء في هذه المهمة.
ما أطمح إليه، وما نعمل من أجله، هو بناء سوق مصرية تقوم على الشفافية والنزاهة، وتحترم حقوق كل مواطن. سوق يشعر فيها المواطن بالأمان، ويجد فيها منتجات وخدمات تليق بكرامته.
حماية المستهلك ليست فقط مطلبًا اقتصاديًا، بل هي جزء من رؤيتنا لمستقبل أفضل لكل مصري. ومع تعاوننا جميعًا، أؤمن أننا سننجح في بناء هذا المستقبل.





