Wednesday، 04 March 202601:02 PM
آراء حرة

اللواء طارق جمعة يكتب: جرائم “الذكاء الاصطناعي” طرائف ومفارقات الاستخدام غير المتوقع

الثلاثاء، 26 نوفمبر 2024 05:58 مساءً
اللواء طارق جمعة يكتب: جرائم “الذكاء الاصطناعي” طرائف ومفارقات الاستخدام غير المتوقع
لواء دكتور طارق جمعة – باحث فى شئون الارهاب والأمن الاقليمى بمعهد شئون الأمن العالمى والدفاع
15

في عصر يتسارع فيه التطور التكنولوجي بوتيرة غير مسبوقة، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، بما في ذلك مجالات الصحة، التعليم، والصناعة. ومع ذلك، فإن هذا الابتكار لا يقتصر فقط على الاستخدامات النبيلة، بل دخل أيضًا في عالم الجريمة، مسببًا ظواهر غريبة وأحيانًا طريفة.

من تهريب المخدرات باستخدام الطائرات المسيّرة (الدرونز) إلى عمليات الاحتيال القائمة على تقنيات التزييف العميق (Deepfake)، أظهر الذكاء الاصطناعي كيف يمكن استخدامه بطرق مبتكرة وغير متوقعة. هذه الجرائم، التي تحمل طابعًا ساخرًا في بعض الأحيان، تسلط الضوء على مدى تعقيد التكنولوجيا وتحديات ضبط استخدامها.

في هذا السياق نستعرض بالتفصيل أمثلة لطرائف الذكاء الاصطناعي في عالم الجريمة، مع التركيز على تأثيراتها وكيف تعكس تطور الفكر الإجرامي، والمفارقات التي تصاحبها.

الطائرات المسيّرة وتهريب المخدرات “عندما تصبح التكنولوجيا طيّعة في يد المجرمين”

الدرونز والسجون البريطانية في عام 2021، شهد أحد السجون البريطانية حادثة طريفة، عندما تم العثور على طائرة مسيّرة (درون) محمّلة بمخدرات وهواتف محمولة عالقة على سطح مبنى السجن. كانت الطائرة تُستخدم لإيصال البضائع غير القانونية إلى السجناء داخل المنشأة. لكن البطارية نفدت قبل أن تصل الطائرة إلى هدفها، مما تسبب في سقوطها وكشف العملية بأكملها.

هذه الحادثة ليست فريدة من نوعها؛ فقد أصبحت الطائرات المسيّرة وسيلة شائعة لتهريب البضائع إلى السجون. بفضل قدرتها على التحليق على ارتفاعات منخفضة وتجاوز الجدران والأسلاك الشائكة، يتم استخدامها لإيصال المخدرات، الهواتف، وأحيانًا الأسلحة، إلى مواقع يصعب الوصول إليها.

حوادث مشابهة عالمية في الولايات المتحدة، شهدت سجون مختلفة حالات مشابهة. في إحدى الوقائع، تم إسقاط شحنة تحتوي على عقاقير ممنوعة وسجائر في ساحة أحد السجون بولاية أوهايو، بواسطة درون مجهّز بتقنيات GPS.

كما جرى إحباط عملية تهريب كبيرة في كندا، حيث تم القبض على شبكة تهريب استخدمت طائرات مسيّرة لتنفيذ أكثر من 30 رحلة لنقل مواد غير قانونية بين السجون. المفارقة أن العملية استمرت عدة أشهر قبل أن يتم اكتشافها.

التقنيات الذكية التي تُستخدم ضد القانون .. تطور الطائرات المسيّرة جعلها قادرة على تجنب الرصد الأمني، حيث يعتمد المهربون على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل المسارات الأكثر أمانًا، وضبط الطائرة لتعمل بشكل ذاتي دون تدخل بشري مباشر. هذه الابتكارات التي تهدف إلى تسهيل حياة الإنسان أصبحت، بطريقة غير متوقعة، أداة مثالية لخرق القوانين.

التزييف العميق والاحتيال الرقمي في عام 2019، تعرضت شركة طاقة أوروبية كبرى لعملية احتيال فريدة من نوعها، عندما استخدم مجرمون تقنية التزييف العميق لتقليد صوت مدير الشركة التنفيذي. قام المجرمون بالاتصال بأحد الموظفين الماليين، وأقنعوه بتحويل مبلغ 243 ألف دولار إلى حساب مصرفي، بحجة أنه أمر مستعجل.

كان الصوت الذي تم تقليده دقيقًا للغاية، مما جعل الموظف يعتقد أن المكالمة صادرة بالفعل من مديره. هذه الحادثة أظهرت كيف يمكن استغلال الذكاء الاصطناعي ليس فقط في إنشاء مقاطع فيديو مزيفة، بل في ارتكاب جرائم مالية معقدة.

التزييف في الانتخابات استخدمت تقنيات التزييف العميق أيضًا في محاولات للتلاعب بالانتخابات. ففي حادثة وقعت في الهند، تم نشر مقطع فيديو مزيف لمرشح سياسي، يتحدث فيه بلغة مختلفة عن لغته الأصلية لإقناع جماعات معينة بالتصويت له. على الرغم من أنه تم كشف الفيديو لاحقًا، إلا أنه أثار ضجة كبيرة وساهم في تشويه سمعة الحملة الانتخابية.

ابتزاز بصور وفيديوهات مزيفة في واقعة أخرى، تم استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد صور ومقاطع فيديو مزيفة لأشخاص في أوضاع محرجة، بهدف ابتزازهم ماليًا. الضحايا تلقوا تهديدات بنشر تلك المواد ما لم يدفعوا مبالغ كبيرة، مما تسبب في أضرار نفسية ومالية لهم.

الاحتيال عبر الروبوتات – جرائم آلية بذكاء اصطناعي

الاحتيال المصرفي في آسيا، تم استغلال روبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للاحتيال على العملاء المصرفيين. حيث تُستخدم هذه الروبوتات للتواصل مع الضحايا عبر الهاتف أو الرسائل النصية، متقمصة دور موظفي البنوك. يتم توجيه الضحايا لتقديم معلومات حساسة مثل كلمات المرور أو أرقام الحسابات، ليتم سرقة أموالهم بعد ذلك.

تحليل البيانات المالية في حادثة أخرى، استخدم المجرمون برامج ذكاء اصطناعي لتحليل بيانات عملاء أحد البنوك، وتحديد الضحايا الأكثر ضعفًا. ثم تم استهدافهم برسائل شخصية موجهة، مما أدى إلى نجاح العمليات الاحتيالية بنسبة عالية.

الدرونز عبر الحدود – تهريب المخدرات

المخدرات عبر الحدود المكسيكية-الأمريكية شهدت الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة محاولات عديدة لتهريب المخدرات باستخدام الطائرات المسيّرة. في إحدى الحوادث، نجحت طائرة مسيّرة صغيرة في نقل شحنة من الكوكايين وزنها 2 كيلوغرام عبر الحدود، قبل أن يتم اكتشافها بسبب عطل في نظام الهبوط.

مفارقة السقوط العرضي في حادثة أخرى، اصطدمت إحدى الطائرات المسيّرة بشجرة على الحدود، لتسقط الشحنة وتُكشف العملية بأكملها. الطريف في الأمر أن المهربين كانوا يراقبون العملية عن بعد عبر كاميرات الطائرة، وشاهدوا لحظة كشف شحنتهم مباشرة.

روبوتات وجرائم غير مقصودة

 روبوت يكتب روايات جرائم في مشروع لتطوير روبوتات قادرة على الكتابة الإبداعية، بدأ روبوت مدعوم بالذكاء الاصطناعي في كتابة سيناريوهات تفصيلية لجرائم معقدة. كانت القصص دقيقة لدرجة أن البعض اشتبه في إمكانية استخدامها كنماذج حقيقية لتنفيذ الجرائم. الطريف أن أحد هذه النصوص تم استخدامها لاحقًا في إنتاج فيلم سينمائي.

خوارزميات خاطئة تُدين الأبرياء في إحدى المدن الأمريكية، تم استخدام نظام ذكاء اصطناعي لتحليل أنماط الجريمة وتحديد المشتبه بهم المحتملين. لكن النظام، بسبب بيانات غير دقيقة، بدأ بتحديد أشخاص أبرياء كجناة محتملين. في إحدى الحالات، كادت الشرطة أن تعتقل شخصًا بناءً على توصية النظام قبل اكتشاف الخطأ.

المعضلة الأخلاقية في استخدام الذكاء الاصطناعي

أدوات للخير والشرالتكنولوجيا التي تهدف في الأصل إلى تحسين حياة الإنسان يمكن أن تصبح أداة خطيرة إذا وقعت في الأيدي الخطأ. الطائرات المسيّرة، المصممة لتوصيل الطلبات أو مراقبة المحاصيل الزراعية، باتت تُستخدم لتهريب المخدرات. برامج التزييف العميق، التي يمكن أن تسهم في إنتاج محتوى ترفيهي مبتكر، أصبحت سلاحًا للاحتيال والتشهير.

التحدي أمام المشرعين السرعة التي يتطور بها الذكاء الاصطناعي تسبق بكثير قدرة الحكومات على وضع قوانين تنظم استخدامه. هذا يخلق فجوة تُستغل من قبل المجرمين، مما يضع ضغطًا على الحكومات والشركات التقنية لتطوير حلول جديدة.

طرائف الذكاء الاصطناعي في عالم الجريمة تسلط الضوء على جانب مثير ومقلق من تطور التكنولوجيا. بينما تُظهر هذه الحوادث إبداعًا في استغلال التقنيات الحديثة، فإنها تعكس أيضًا تحديات أخلاقية وقانونية تحتاج إلى معالجة عاجلة.

من الضروري تعزيز التعاون بين الحكومات والشركات التكنولوجية لتطوير أنظمة أكثر أمانًا وتحديث القوانين بما يتماشى مع سرعة تطور الذكاء