الأحد، 4 أكتوبر 202611:35 مساءً
آراء حرة

اللواء د. رضا فرحات يكتب : إثيوبيا وأزمة الهروب إلى الخارج

السبت، 03 أكتوبر 2026 05:43 مساءً
اللواء د. رضا فرحات يكتب : إثيوبيا وأزمة الهروب إلى الخارج
اللواء د. رضا فرحات
15

هناك دول تظن أن رفع نبرة الخطاب يمكن أن يصنع لها قوة، وأن تصدير الأزمات إلى الخارج يمكن أن يمنحها وقتا إضافيا للهروب من استحقاقات الداخل، لكن العلاقات الدولية لا تدار بالصوت المرتفع، وإنما بحسابات دقيقة تعرف فيها كل دولة حدودها ومصالحها وقدرتها على الرد، وفي الأزمة الأخيرة مع إثيوبيا، جاءت الرسالة المصرية واضحة منذ اللحظة الأولى: القاهرة لا تبحث عن مواجهة، لكنها أيضا لا تسمح بأن تتحول سياسة ضبط النفس إلى مساحة مفتوحة لاستهدافها أو المساس بمصالحها.

 

السنوات الماضية أثبتت أن أزمة سد النهضة لم تعد مجرد خلاف فني حول مشروع لتوليد الكهرباء، وإنما أصبحت اختبارا لقدرة النظام الإقليمي والدولي على حماية قواعد القانون الدولي عندما تتعارض مصالح الدول، ومصر، منذ بداية الأزمة، لم تتعامل معها باعتبارها معركة سياسية عابرة، وإنما باعتبارها قضية ترتبط بأمنها المائي وحقوقها التاريخية ومصالح شعبها، ولذلك تمسكت طوال الوقت بمسار التفاوض، وطالبت باتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل ويمنع الإضرار بدولتي المصب.

 

التحركات الإثيوبية الأخيرة، وما يصاحبها من رسائل سياسية وإعلامية متباينة، تستحق قراءة هادئة لا تنفصل عن التطورات الأوسع في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، فكلما اتسعت مساحة التنافس الإقليمي، أصبحت بعض الملفات أكثر قابلية للاستخدام كورقة ضغط في حسابات أكبر من حدودها المباشرة، ومن الخطأ النظر إلى كل تحرك منفرد باعتباره حدثا منفصلا؛ فالمشهد الإقليمي شديد الترابط، وأي محاولة لإعادة توزيع النفوذ في منطقة القرن الأفريقي يمكن أن تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أمن البحر الأحمر وحركة التجارة والممرات المائية، فضلا عن قضية الأمن المائي لدول حوض النيل.

 

المعادلة التي يجب أن تظل واضحة هي أن مصر لا تبحث عن مواجهة مع إثيوبيا، ولا تنظر إلى التنمية الإثيوبية باعتبارها تهديدا في حد ذاتها، مصر تدرك أن استقرار إثيوبيا وتنميتها ومصالح شعوب المنطقة يمكن أن تكون جزءا من منظومة تعاون إقليمي واسعة، لكن التنمية لا يمكن أن تقوم على حساب حقوق الآخرين، كما أن مفهوم السيادة لا يمنح أي دولة حق اتخاذ إجراءات أحادية تترتب عليها أضرار جسيمة بدول أخرى، هذه ليست رؤية مصرية فقط، وإنما قاعدة مستقرة في العلاقات الدولية وفي إدارة الأنهار العابرة للحدود.

 

وفي المقابل، فإن التعامل المصري مع هذه التحركات يحتاج إلى استمرار الجمع بين أدوات الدبلوماسية والقدرة على حماية المصالح الوطنية، قوة الموقف المصري لا تأتي من رفع سقف الخطاب، وإنما من وضوح الثوابت، وتماسك المؤسسات، والقدرة على بناء شبكة واسعة من العلاقات مع الدول الأفريقية والعربية والدولية، وشرح حقيقة الموقف المصري للرأي العام الدولي، بما يمنع اختزال الأزمة في رواية أحادية تحاول تقديم القضية باعتبارها صراعا بين حق إثيوبيا في التنمية ورفض مصر لهذا الحق.

 

إن المرحلة الحالية تفرض أهمية أكبر لتعزيز التعاون مع دول حوض النيل والقرن الأفريقي، ليس على أساس الاستقطاب أو تشكيل محاور، وإنما عبر المصالح المشتركة ومشروعات التنمية والتكامل الاقتصادي، القارة الأفريقية تحتاج إلى مقاربة جديدة تجعل الأنهار والموانئ والطرق والطاقة والتجارة أدوات للتعاون، لا أسبابا إضافية للصراع، ومصر تمتلك في هذا المجال رصيدا مهما من العلاقات التاريخية والحضور الدبلوماسي، ويمكن توظيفه في بناء مساحات أوسع للحوار والتفاهم.

 

إثيوبيا قد تحاول خلط الأوراق، لكن التعامل مع هذا النوع من التحركات لا يكون بالانجرار وراء كل رسالة أو تصريح، وإنما بقراءة الصورة كاملة، والتمييز بين ما هو تكتيكي وما هو استراتيجي، وبين التحرك الذي يستهدف تحسين شروط التفاوض والتحرك الذي يسعى إلى فرض أمر واقع، وفي كل الأحوال، يبقى المعيار الحقيقي هو احترام القانون الدولي ومبدأ عدم الإضرار، والعودة إلى مسار تفاوضي جاد يفضي إلى ترتيبات واضحة وملزمة تحفظ مصالح جميع الأطراف.

 

مصر تعرف جيدا أن إدارة الأزمات الكبرى تحتاج إلى نفس طويل، وأن حماية الأمن القومي ليست رد فعل لحظيا، وإنما سياسة متكاملة تقوم على الدبلوماسية والوعي والقدرة على قراءة المتغيرات والاستعداد لمختلف السيناريوهات، وفي قضية مياه النيل تحديدا، ستظل قاعدة الموقف المصري واضحة: التنمية حق، والتعاون هو الأصل، لكن الحقوق المائية والأمن المائي المصريان ليسا مجالا للمساومة، ولا يمكن أن يكون تحقيق مصالح طرف ما مبررا للإضرار بمصالح طرف آخر، تلك هي الأرضية التي يمكن أن يبدأ منها أي تفاهم حقيقي، بعيدا عن محاولات خلط الأوراق أو صناعة أزمات جديدة في إقليم لم يعد يحتمل مزيدا من التوتر.