
جاءت مشاركة مصر في اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة محملة بعدد من الملفات التي ترتبط مباشرة بمصالحها وأمنها ودورها الإقليمي، لكن الأهم من حجم المشاركة كان مضمون الحضور المصري وما طرحته القاهرة أمام المجتمع الدولي، بما عكس بوضوح أولويات السياسة المصرية في هذه المرحلة، من القضية الفلسطينية والأمن المائي وأزمات المنطقة، إلى إصلاح النظام الدولي وقضايا التنمية والتمويل والذكاء الاصطناعي، ولكن القضية الأهم ليست أن مصر تحدثت عن فلسطين أو السودان أو الأمن المائي أو التنمية، وإنما الموقع الذي اختارت مصر أن تتحدث منه، وطبيعة الرسالة التي أرادت أن تصل إلى المجتمع الدولي.
مصر ذهبت إلى نيويورك وهي تتعامل مع نظام دولي يمر بمرحلة شديدة الاضطراب، قواعد كانت تبدو مستقرة تتعرض للاختبار، ومؤسسات دولية تواجه أزمة ثقة، والقوة العسكرية أصبحت حاضرة في إدارة أزمات كان يفترض أن يكون القانون الدولي هو المرجعية الأساسية فيها، وفي الإقليم المحيط بمصر، تتجاور الحرب في إيران وغزة مع الأزمة السودانية واضطراب أمن الملاحة وتحديات الأمن المائي.
الدكتور مصطفى مدبولي، خلال ترؤسه وفد مصر في اجتماعات الدورة الحادية والثمانين، لم يقدم قائمة بالمواقف المصرية بقدر ما وضعها داخل رؤية أوسع: مصر تريد نظاما دوليا تكون فيه القواعد قابلة للتطبيق، والمؤسسات أكثر تمثيلا، والدول النامية شريكا في صناعة القرار لا مجرد متلقٍ لنتائجه، وهذا هو المفتاح الذي يمكن من خلاله فهم معظم ما طرحته القاهرة في نيويورك.
القضية الفلسطينية كانت النموذج الأكثر وضوحا، مصر لا تتعامل معها كملف خارجي، ولا باعتبارها أزمة إنسانية يمكن احتواؤها بالمساعدات، وإنما كقضية سياسية لم ينجح المجتمع الدولي حتى الآن في الوصول إلى تسوية لها، ولذلك جاء الحديث المصري عن وقف إطلاق النار والمساعدات وإعادة الإعمار مرتبطا بضرورة الوصول إلى حل سياسي ينهي الاحتلال ويجسد الدولة الفلسطينية.
هذه الرؤية تفسر أيضا رفض مصر للتهجير، فالمسألة ليست مجرد انتقال سكان من مكان إلى آخر، وإنما تغيير قسري في الواقع السياسي والجغرافي للقضية الفلسطينية، ولهذا كان التمسك بالدولة الفلسطينية وحدود الرابع من يونيو 1967 والقدس الشرقية جزءا من تصور متكامل، وليس مجرد تكرار لموقف معلن، الأهم أن مصر تطرح هذه الرؤية داخل الأمم المتحدة، أي داخل المؤسسة التي يفترض أن تكون المرجعية الرئيسية لحفظ السلم والأمن الدوليين، وهنا تظهر المفارقة التي تستحق النقاش: كلما ضعفت قدرة النظام الدولي على إنفاذ قواعده، زادت أهمية الدول التي تتمسك بإعادة الاعتبار لهذه القواعد.
الأمر نفسه يظهر في الأمن المائي، وإن كان في نطاق مختلف، عندما تصف مصر أمنها المائي بأنه قضية وجودية، فهي تحدد بوضوح مستوى القضية بالنسبة للدولة المصرية، لكن القاهرة في الوقت نفسه لا تضع التنمية في مواجهة الحقوق المائية، وإنما تقول إن التنمية لا يمكن أن تقوم على إلحاق ضرر بدولة أخرى، وإن الموارد العابرة للحدود تحتاج إلى تعاون واتفاقات وقواعد تحكم استخدامها.
هذه الصياغة ليست تفصيلا دبلوماسيا، إنها تنقل قضية المياه إلى مساحة القانون الدولي، وتؤكد أن مصر تريد أن تدار الخلافات الكبرى من خلال قواعد واضحة، لا من خلال فرض الأمر الواقع، وهذا يقود إلى النقطة الأوسع في المشاركة المصرية: إصلاح النظام الدولي ليس قضية بعيدة عن الأمن المصري.
عندما تطالب القاهرة بإصلاح مجلس الأمن وبمعالجة التمثيل غير العادل لأفريقيا، فهي لا تتحدث فقط باسم مؤسسة دولية، وإنما تنظر إلى خلل في بنية صنع القرار العالمي العالم تغير كثيرا منذ إنشاء الأمم المتحدة، لكن مراكز اتخاذ القرار الرئيسية ما زالت تحمل آثار مرحلة تاريخية مختلفة، ومصر، بحكم موقعها العربي والأفريقي، معنية مباشرة بأن تكون للقارة التي تنتمي إليها قدرة أكبر على المشاركة في صناعة القرار الدولي.
إن الحضور المصري يكتسب معناه الحقيقي، القاهرة لا تقول إن النظام الدولي فقد قيمته، ولا تدعو إلى تجاوزه، وإنما تقول إن بقاءه مؤثرا يتطلب إصلاحه وهذه نقطة مختلفة تماما عن الخطاب الذي يكتفي بتوجيه الانتقادات للمؤسسات الدولية.
حتى الملفات الاقتصادية والتكنولوجية التي حضرت في المشاركة المصرية تنتمي إلى الرؤية نفسها، حين تتحدث مصر عن تكلفة التمويل وأعباء الديون، فهي تتحدث عن قدرة الدول النامية على اتخاذ قراراتها التنموية، وحين تتحدث عن الذكاء الاصطناعي، فهي تضع أمام المجتمع الدولي سؤالا جديدا حول توزيع المعرفة والتكنولوجيا ومصادر القوة في المستقبل، وحين تتحدث عن المناخ، فهي تطرح مشكلة الفجوة بين التعهدات الدولية وقدرة الدول النامية على تنفيذها.
كل ذلك يجعل المشاركة المصرية أكثر من مجرد تحرك دبلوماسي في أسبوع الجمعية العامة، هناك خيط واحد يجمع هذه الملفات كلها: من يضع القواعد؟ ومن يملك القدرة على تنفيذها؟ ومن يتحمل تكلفة الأزمات عندما تفشل المؤسسات في التعامل معها؟
هذه هي الأسئلة التي تهم مصر، لأنها دولة تتأثر مباشرة بما يجري في محيطها وبطريقة إدارة العالم لأزماته، أمن البحر الأحمر يؤثر في قناة السويس، وأمن السودان يرتبط بأمن الحدود، والقضية الفلسطينية تؤثر في استقرار الإقليم، والأمن المائي يرتبط بمستقبل الدولة، بينما ترتبط التنمية والتمويل والتكنولوجيا بقدرة مصر والدول النامية على الحفاظ على مساحة مستقلة لصناعة المستقبل.
لا يمكن فصل التمثيل المصري في الأمم المتحدة عن السياسة الخارجية المصرية ككل، القاهرة تتحرك في مساحة صعبة: تحافظ على علاقاتها مع القوى الكبرى، وتدافع عن مصالحها الوطنية، وتتمسك بدورها العربي والأفريقي، وتبحث في الوقت نفسه عن نظام دولي أكثر قدرة على استيعاب التحولات الجديدة.
قوة الحضور المصري هنا لا تأتي من ارتفاع نبرة الخطاب، وإنما من اتساع مساحة المصالح التي تدافع عنها مصر، ومن قدرتها على وضع هذه المصالح داخل نقاش دولي أكبر، وهذه، في تقديري، هي النقطة التي تستحق أن نتوقف أمامها، مصر لم تذهب إلى الأمم المتحدة لتقول إن لديها مشكلة في فلسطين أو المياه أو التنمية، وإنما ذهبت لتقول إن معالجة هذه الملفات تحتاج إلى قواعد دولية أكثر عدلا ومؤسسات أكثر فاعلية وإرادة سياسية قادرة على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
وهذا يضع التمثيل المصري أمام اختبار حقيقي بعد انتهاء الاجتماعات: هل تتحول الكلمات إلى حركة دبلوماسية، والمواقف إلى تفاهمات، والرؤية إلى حضور مستمر في دوائر صنع القرار؟
إن العمل الدولي لا تقاس قيمته بما قيل في قاعة الجمعية العامة وحدها، وإنما بما يبقى بعد مغادرة القاعة، ومصر، بما تملكه من موقع جغرافي ودور إقليمي وعلاقات عربية وأفريقية ودولية، لديها ما يؤهلها لأن تكون طرفا فاعلا في هذا النقاش، لكن قيمة هذا الدور ستظل مرتبطة بقدرتها على الاستمرار في الحضور، والتحرك، وبناء التفاهمات، والدفاع عن مصالحها داخل المؤسسات التي تشكل قواعد النظام الدولي.



