
أكد المهندس أحمد صبور، عضو مجلس الشيوخ، أن الدور المصري في المنطقة يشهد تطورًا نوعيًا يعكس مكانة مصر كقوة إقليمية فاعلة، قادرة على التأثير في مسارات الأزمات وليس فقط التعامل مع تداعياتها، مشيرًا إلى أن الدبلوماسية المصرية باتت تمثل أحد أهم أدوات الحفاظ على توازن الإقليم ومنع انتقال الصراعات من بؤرة إلى أخرى.
وقال «صبور» إن أهمية الدور المصري تنبع من امتلاك القاهرة رؤية متكاملة للأمن الإقليمي، لا تتعامل مع أزمات المنطقة باعتبارها ملفات منفصلة، وإنما تنظر إليها باعتبارها حلقات مترابطة، تمتد من القضية الفلسطينية وغزة إلى السودان وليبيا والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، بما يجعل استقرار كل دائرة منها جزءًا من منظومة الأمن القومي المصري والاستقرار الإقليمي.
وأوضح عضو مجلس الشيوخ أن التحركات المصرية خلال الفترة الأخيرة تكشف عن انتقال الدبلوماسية المصرية من مفهوم «إدارة الأزمات» إلى مفهوم أكثر اتساعًا يقوم على «منع تمدد الصراع» وتهيئة الظروف السياسية اللازمة للتسويات، وهو ما ظهر في التحركات المصرية لدعم وقف إطلاق النار في غزة، والجهود الرامية إلى إنهاء الأزمة السودانية، والحفاظ على أمن الملاحة في البحر الأحمر، إلى جانب التحرك المستمر مع القوى العربية والإقليمية والدولية لخفض مستويات التصعيد.
وأشار «صبور» إلى أن قدرة مصر على التواصل مع أطراف وقوى مختلفة داخل الإقليم وخارجه تمثل إحدى أهم ركائز نفوذها السياسي، موضحًا أن القاهرة لا تتحرك بمنطق الاستقطاب أو الاصطفاف، وإنما تسعى إلى بناء مساحات مشتركة تسمح بتقريب وجهات النظر وفتح قنوات للحوار عندما تصل الأزمات إلى مراحل شديدة التعقيد.
وأكد أن استضافة القاهرة لاجتماعات وتشاورات تضم قوى عربية وإقليمية، إلى جانب انفتاحها على الشركاء الدوليين، يعكس إدراكًا متزايدًا بأن معالجة أزمات المنطقة تحتاج إلى ترتيبات جماعية لا تفرضها قوة واحدة، وإنما تقوم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها ورفض التدخلات الخارجية والاحتكام إلى القانون الدولي.
ولفت عضو مجلس الشيوخ إلى أن القضية الفلسطينية تظل المحور الأكثر ارتباطًا باستقرار المنطقة، مؤكدًا أن استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يمثل أحد أهم مصادر عدم الاستقرار الإقليمي، وأن أي مقاربة جادة للسلام يجب أن تتجاوز الحلول المؤقتة إلى تسوية سياسية عادلة تضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، باعتبار أن إنهاء الصراع يمثل شرطًا أساسيًا لبناء منظومة أمن إقليمي أكثر استقرارًا.
وأضاف «صبور» أن التحرك المصري في الأزمة السودانية يعكس كذلك إدراك القاهرة لخطورة انهيار الدولة الوطنية وتحولها إلى ساحة مفتوحة للتدخلات والصراعات، موضحًا أن الحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته واستقراره لا يمثل مصلحة مصرية فقط، وإنما مصلحة عربية وأفريقية مشتركة، خاصة في ظل ارتباط أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي باستقرار السودان.
وشدد على أن البحر الأحمر يمثل بدوره أحد أهم الاختبارات أمام منظومة الأمن الإقليمي، في ظل ارتباطه بحركة التجارة العالمية والطاقة وسلاسل الإمداد، مؤكدًا أن حماية حرية الملاحة وتأمين الممرات البحرية تتطلب تعاونًا إقليميًا ودوليًا، وأن موقع مصر وقناة السويس يمنحان القاهرة مسؤولية وتأثيرًا كبيرين في هذا الملف.
وقال «صبور» إن القوة الإقليمية لمصر لا تستند إلى عامل واحد، وإنما إلى مزيج من الموقع الجغرافي، والثقل السياسي والدبلوماسي، والقدرات العسكرية، والمكانة الاقتصادية، والعلاقات التاريخية مع الدول العربية والأفريقية، فضلًا عن شبكة واسعة من العلاقات الدولية، وهو ما يمنح القاهرة قدرة على التحرك في أكثر من مسار في الوقت نفسه.
وأشار إلى أن هذا التنوع في أدوات القوة هو ما يجعل الدبلوماسية المصرية أكثر قدرة على أداء وظيفة «الدبلوماسية الوقائية»، أي التدخل لاحتواء التوترات قبل تحولها إلى مواجهات أوسع، مؤكدًا أن قيمة النفوذ المصري لا تقاس فقط بما تستطيع القاهرة فعله بعد اندلاع الأزمة، وإنما أيضًا بقدرتها على منع تفاقمها وفتح مسارات سياسية لتسويتها.
واعتبر عضو مجلس الشيوخ أن المرحلة الحالية تفرض على القوى الإقليمية الرئيسية العمل على بناء تصور جديد للأمن الجماعي في الشرق الأوسط، يقوم على احترام سيادة الدول، وحماية الممرات المائية، وتعزيز أمن الطاقة والمياه، ومواجهة التنظيمات والميليشيات المسلحة خارج إطار الدولة، مع إعطاء الأولوية للحلول السياسية بدلًا من استدامة الصراعات العسكرية.
وأكد «صبور» أن مصر تمتلك المقومات التي تؤهلها للاضطلاع بدور محوري في هذا المسار، مشددًا على أن القاهرة لا تتحرك بحثًا عن نفوذ منفصل عن مصالح المنطقة، وإنما انطلاقًا من رؤية تعتبر أن حماية الأمن القومي المصري ترتبط بصورة مباشرة بالحفاظ على استقرار المحيط العربي والأفريقي والبحر المتوسط والبحر الأحمر.
وأكد النائب أحمد صبور على أن مصر أصبحت «نقطة ارتكاز» لا يمكن تجاوزها عند بحث مستقبل الاستقرار الإقليمي، موضحًا أن قوة القاهرة تكمن في قدرتها على الجمع بين أدوات القوة الصلبة والدبلوماسية والحوار، وبين علاقاتها العربية والأفريقية والدولية، بما يسمح لها بالقيام بدور فاعل في احتواء الأزمات، ومنع اتساع نطاق الصراعات، وتهيئة الطريق أمام تسويات سياسية أكثر استدامة.





