
حين نتحدث عن قانون منظم لحقوق اللائجين الأجانب في مصر، فإننا نتحدث عن نحو 9 ملايين لاجئ ومهاجر من 133 دولة يقيمون على أراضيها، هذه الأرقام تعكس التحديات الكبيرة التي تواجهها الدول في التعامل مع قضايا اللاجئين والمهاجرين، وتبرز أهمية التعاون الدولي لإيجاد حلول مستدامة لهذه الأزمة الإنسانية، حيث تشكل قضية اللاجئين واحدة من القضايا العالمية الملحة التي تتطلب معالجة متوازنة تراعي حقوق الإنسان ومتطلبات الأمن القومي.
من هنا، جاء قانون لجوء الأجانب الذي وافق عليه مجلس النواب المصري كخطوة جادة نحو تنظيم هذا الملف الحساس. يعكس القانون رؤية شاملة تضمن تحقيق التوازن بين الالتزام الدولي لمصر كدولة مستضيفة للاجئين وبين احتياجاتها الوطنية.
يمثل القانون نقلة نوعية في طريقة التعامل مع اللاجئين، حيث يضع ضوابط دقيقة لقبول طلبات اللجوء، مستبعداً أي شخص تورط في جرائم ضد الإنسانية أو الإرهاب، ما يعكس حرص الدولة على حماية أمنها الداخلي دون الإخلال بواجباتها الإنسانية، هذه المقاربة تعزز من مكانة مصر كدولة ملتزمة بالقوانين الدولية، وفي الوقت ذاته تضع إطاراً واضحاً لحماية سيادتها ومصالحها.
أحد الجوانب اللافتة في هذا القانون هو قدرته على معالجة التحديات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بقضية اللاجئين؛ إذ يحدد القانون بوضوح متى يُسقط وصف اللاجئ عن الفرد، ما يضمن وجود إطار زمني وموضوعي للقرارات المتعلقة بوضع اللاجئ، وهو ما يسهم في تعزيز الثقة بين جميع الأطراف المعنية في خطوة تُظهر اهتمام الدولة بخلق بيئة منظمة تعكس مبادئ العدالة والشفافية.
لضمان تنفيذ هذا القانون بشكل فعّال، فإنني أرى ضرورة الشراكة الحقيقية بين الحكومة والمجتمع المدني، حيث يجب أن تلعب المؤسسات الأهلية دوراً في توفير الدعم النفسي والاجتماعي للاجئين، إلى جانب دورها الرقابي لضمان تطبيق القانون بعدالة، كما ينبغي تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية هذا القانون وأبعاده المختلفة لضمان دعمه من المواطنين.
على الجانب الآخر، يمثل هذا القانون فرصة لمعالجة التحديات المستقبلية المرتبطة بزيادة تدفق اللاجئين نتيجة الأزمات الإقليمية والدولية، فإنه وفقًا لتقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، بلغ عدد الأشخاص الذين اضطروا للفرار من ديارهم بسبب الحروب والعنف والاضطهاد حوالي 120 مليون شخص حول العالم حتى نهاية أبريل 2024.
من هنا، فإن تطوير سياسات استباقية تسهم في تحسين قدرات الاستيعاب والتأقلم مع اللاجئين سيعزز من دور مصر الريادي في القضايا الإنسانية، كما يجب أن يكون ذلك مدعوماً بتعاون إقليمي ودولي يضمن توزيعاً عادلاً للأعباء وتحقيق التنمية المستدامة.
أخيراً، فإن قانون لجوء الأجانب جزءاً من استراتيجية أوسع لتعزيز الحوكمة في إدارة الملفات الإنسانية، مع استمرار التعاون بين جميع الأطراف، يمكن لهذا القانون أن يصبح نموذجاً يحتذى به على الصعيدين الإقليمي والدولي في إدارة قضايا اللاجئين، بما يعكس قيم العدالة والإنسانية، ويعزز مكانة مصر ـ في ظل الجمهورية الجديدة ـ كدولة توازن بين الأبعاد الإنسانية والسيادية بشكل فريد.





