Monday، 13 April 202607:04 PM
آراء حرة

شحاته زكريا يكتب: ما بين الإدراك والتلقين.. أين تقف الحقيقة؟

الإثنين، 13 أبريل 2026 03:12 مساءً
شحاته زكريا يكتب: ما بين الإدراك والتلقين.. أين تقف الحقيقة؟
شحاته زكريا
15

في زمن تتدفق فيه المعلومات بلا انقطاع لم تعد المشكلة في نقص المعرفة بل في فائضها. لم يعد السؤال: ماذا نعرف؟ بل كيف نعرف؟ ومن أين جاء ما نعرفه؟ والأهم… هل ما نعتقد أنه حقيقة.

 

هو نتاج إدراك واع ، أم مجرد صدى لتلقين مُحكم لا نشعر به؟ الحقيقة في صورتها البسيطة كانت دائما هدفا إنسانيًا نبيلا. لكن في تعقيدات الواقع المعاصر لم تعد الحقيقة كيانا واضحا يمكن الإمساك به، بل أصبحت مساحة رمادية تتداخل فيها الرؤى وتتصارع داخلها السرديات وتعاد صياغتها وفقا لمصالح وأجندات متعددة.

 

وهنا يظهر التحدي الأكبر: أن نميز بين ما نُدركه بأنفسنا.وما تم زرعه في وعينا دون أن ننتبه.. التلقين لم يعد ذلك الأسلوب التقليدي المرتبط بالتعليم المدرسي فقط بل أصبح منظومة متكاملة تعمل بهدوء وذكاء عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل والخطابات السياسية وحتى في التفاصيل اليومية التي نظنها عفوية. إنه لا يفرض نفسه بالقوة بل يتسلل عبر التكرار ويُرسخ حضوره عبر الإيحاء حتى يتحول إلى قناعة يعتقد الإنسان أنها نابعة من داخله.

وفي المقابل يقف الإدراك كعملية أكثر تعقيدا وأقل شيوعًا. الإدراك ليس مجرد استقبال للمعلومة بل هو قدرة على تحليلها ومقارنتها وفهم سياقها وربما الشك فيها. إنه فعل يحتاج إلى جهد وإلى شجاعة أيضا.

 

لأن الإدراك الحقيقي قد يقود الإنسان أحيانا إلى مواجهة ما لا يرغب في رؤيته أو إلى إعادة النظر في مسلّمات عاش بها طويلا..المفارقة أن التلقين يمنح راحة مؤقتة بينما الإدراك يفرض قلقا مستمرا.

 

فالتلقين يُعفي الإنسان من عبء التفكير ويمنحه شعورا باليقين، حتى وإن كان هذا اليقين زائفا. أما الإدراك فيفتح أبواب الأسئلة.ويضع الإنسان في حالة بحث دائم.

 

قد تكون مرهقة لكنها أكثر صدقا..وفي هذا السياق يصبح من السهل أن نفهم لماذا ينتشر التلقين بسرعة بينما يظل الإدراك محدودًا. فالعالم اليوم لا يُكافئ دائمًا من يفكر بعمق، بل أحيانا يُكافئ من يُعيد إنتاج ما هو سائد. ومن هنا تتحول الحقيقة إلى ضحية لهذا التوازن المختل حيث يُعلو الصوت على الفكرة وتنتصر الكثرة على الجودة.. وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا محوريا في تعقيد هذه المعادلة. فهي منحت الجميع مساحة للتعبير لكنها في الوقت نفسه ألغت الكثير من معايير التحقق. أصبح الخبر ينتشر قبل التأكد من صحته وتتحول الآراء إلى حقائق بمجرد تكرارها وتُبنى القناعات على مقاطع قصيرة أو عناوين جذابة أو تعليقات عابرة..في هذا المناخ لم يعد التلقين يحتاج إلى مؤسسات ضخمة فقط بل أصبح يمارسه الأفراد أيضا دون وعي. كل مشاركة كل إعادة نشر كل تعليق… قد يكون جزءا من سلسلة طويلة تعيد إنتاج فكرة ما حتى تتحول إلى حقيقة في وعي الجمهور رغم أنها قد تكون بعيدة تماما عن الواقع.

لكن.هل يعني ذلك أن الحقيقة ضاعت؟ أم أنها فقط أصبحت أكثر تعقيدا؟ الحقيقة لا تختفي لكنها تُحجب تغطى بطبقات من السرديات وتحاصر بزوايا نظر متعددة حتى يصبح الوصول إليها أشبه بمحاولة رؤية الضوء من خلف ستار كثيف. وهنا لا يكون المطلوب هو الوصول إلى الحقيقة المطلقة بقدر ما يكون السعي إلى الاقتراب منها عبر أدوات التفكير النقدي والانفتاح على وجهات نظر مختلفة، والقدرة على الاعتراف بعدم اليقين.

 

الإدراك، في جوهره ليس امتلاك الحقيقة بل امتلاك القدرة على البحث عنها. هو أن تدرك أن ما تعرفه قد يكون ناقصا وأن ما تسمعه قد يكون موجها وأن ما تؤمن به يحتاج دائما إلى مراجعة. إنه موقف عقلي وأخلاقي في آن واحد يرفض السهولة ويبحث عن العمق.. ولعل أخطر ما يمكن أن يواجهه أي مجتمع ليس اختلاف الآراء بل غياب القدرة على التمييز بين الرأي والحقيقة. حين تختلط الأمور وتُساوى كل الأفكار ببعضها يفقد الإنسان بوصلته ويصبح عرضة لأي خطاب مهما كان ضعيفا أو مضللا.. من هنا تأتي أهمية بناء وعي حقيقي لا يقوم على التلقين بل على الفهم. وعي يدرب الإنسان على السؤال قبل الإجابة وعلى التحقق قبل التصديق وعلى التفكير قبل التبني. وعي لا يخاف من الشك بل يعتبره خطوة ضرورية نحو اليقين.. وفي هذا الإطار تتحمل المؤسسات التعليمية والإعلامية مسؤولية كبيرة. فبدلا من أن تكون أدوات لنقل المعرفة فقط يجب أن تتحول إلى منصات لتعزيز التفكير النقدي وتشجيع الحوار وتقديم المعلومات في سياقها الصحيح بعيدا عن التبسيط المخل أو التوجيه المقصود.. لكن في النهاية يبقى الدور الأهم للفرد نفسه. فمهما كانت قوة التلقين يظل لدى الإنسان القدرة على الاختيار. أن يختار أن يفكر أن يشك أن يبحث أن يرفض أن يكون مجرد متلق سلبي. هذه القدرة وإن بدت بسيطة.هي في الحقيقة جوهر الحرية.. ما بين الإدراك والتلقين تقف الحقيقة في منطقة حساسة لا تنحاز إلا لمن يسعى إليها بصدق. ليست في الصوت الأعلى ولا في الرأي الأكثر انتشارا بل في ذلك الجهد الصامت الذي يبذله العقل ليُميز ويحلل ويُدرك.. قد لا يكون الطريق إلى الحقيقة سهلا لكنه الطريق الوحيد الذي يستحق أن يُسلك. لأن البديل… ليس فقط الجهل بل وهم المعرفة. وذلك في زمننا هذا أخطر بكثير.