Thursday، 09 April 202610:53 PM
آراء حرة

د. أحمد موسي يكتب: مسارات الهدنة بين العودة والتصعيد

الخميس، 09 أبريل 2026 07:35 مساءً
د. أحمد موسي يكتب: مسارات الهدنة بين العودة والتصعيد
الدكتور أحمد موسى – أمين شباب حزب الغد
15

في الشرق الأوسط، لا تُختبر الهدن بعدد الساعات التي تمر بلا صواريخ فقط، بل بما إذا كانت تُنتج منطقًا سياسيًا جديدًا، أو تكتفي بتجميد الصراع حتى إشعار آخر. هذا هو السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم على الهدنة الحالية بين إيران والولايات المتحدة: هل تمثل بداية انتقال من الحرب إلى التفاوض المنظم، أم أنها مجرد مهلة اضطرارية فرضها الإنهاك المتبادل، تمهيدًا لمرحلة قد تكون أصعب سياسيًا وجيوسياسيًا واستراتيجيًا؟ حتى 9 أبريل 2026، المعطيات العلنية تشير إلى هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية، مع بدء محادثات في إسلام آباد، لكن وسط خلافات حادة حول اليورانيوم المخصب، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، وما إذا كانت الساحات المرتبطة مثل لبنان مشمولة بالتهدئة أم لا.

من هذه الزاوية، لا تبدو الهدنة الحالية سلامًا بالمعنى الدقيق، بل وقفًا هشًا لإطلاق النار فوق أرضية سياسية لم تُسوَّ بعد. والهدنة التي تأتي قبل حل أسباب الحرب، تختلف جذريًا عن الهدنة التي تتوّج اتفاقًا سياسيًا ناضجًا. الأولى تشتري الوقت، أما الثانية فتؤسس للاستقرار. وما نراه الآن أقرب إلى شراء وقت تحت ضغط الضرورة. فواشنطن تتحدث عن إمكان العمل مع إيران ومناقشة تخفيف العقوبات، بينما تتحدث طهران بلغة الحذر العميق وانعدام الثقة. هذه الفجوة في الخطاب ليست تفصيلًا دبلوماسيًا، بل مؤشرًا على أن كل طرف ما زال يرى الهدنة من منظور القوة لا التسوية: الولايات المتحدة تريد إظهار أن الضغط العسكري قاد إلى التفاوض، وإيران تريد إظهار أن صمودها منع فرض استسلام عليها.

سياسيًا، هذه هي أول علامة على أن القادم قد يكون أكثر تعقيدًا لا أقل. فحين يدخل خصمان إلى الهدنة من دون اتفاق على معنى ما جرى، يتحول وقف النار إلى ساحة صراع بديلة على التفسير والرواية. من انتصر؟ من تراجع؟ من فرض شروطه؟ كل هذه الأسئلة لا تُطرح في الإعلام فقط، بل داخل مؤسسات الدولة، وداخل الجيوش، وداخل الدوائر الأمنية، وداخل الرأي العام. وفي مثل هذه الحالات، لا يكفي مجرد توقف الضربات كي نقول إن المسار دخل طور الاستقرار. على العكس، قد تكون الهدنة نفسها مرحلة أعلى من التوتر السياسي، لأن كل طرف يحاول خلالها أن يثبت أن التوقف المؤقت لا يعني تنازلًا استراتيجيًا. ولهذا وصفت مصادر أميركية الهدنة بأنها “هشة”، فيما شددت طهران على أنها مستعدة للعودة إلى القتال إذا تعرضت لاستفزاز جديد.

المؤشر الأول الذي يجب التوقف عنده عند السؤال: “ماذا بعد الهدنة؟” هو الملف النووي. هذا هو جوهر الصراع، لا الهامش. البيت الأبيض قال إن إيران أشارت إلى استعداد ما لتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، لكن من دون إعلان تفاصيل نهائية عن الآلية أو الضمانات أو المقابل السياسي. وفي الوقت نفسه، تؤكد التغطيات أن إيران ما زالت تعتبر الاحتفاظ بحق التخصيب جزءًا من سيادتها الاستراتيجية. بحسب ما نقلته رويترز عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كانت إيران قبل الهجمات تملك 440.9 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهو مستوى شديد الحساسية، وما زال جزء كبير من هذا المخزون محفوظًا في مجمعات محصنة في أصفهان نجت بدرجة كبيرة من الضربات. هذه الحقائق تعني أن الهدنة لم تُنهِ العقدة الأساسية، بل فقط أوقفت القتال بينما تبقى العقدة قائمة. وإذا لم يُحسم هذا الملف، فكل حديث عن سلام دائم سيظل هشًا.

وهنا تتضح خطورة المرحلة المقبلة. إذا أصرت واشنطن على أن يكون نزع هذا المخزون شرطًا أوليًا لأي استقرار طويل، بينما أصرت طهران على أن أي تنازل جوهري يجب أن يقابله رفع معتبر للعقوبات وضمانات أمنية، فإننا نكون أمام تفاوض من النوع الذي يصعب فيه إنتاج حل وسط سريع. وما يجعل المشهد أكثر توترًا أن هذا الملف ليس تقنيًا فقط؛ إنه ملف سيادي ورمزي وعسكري في آن واحد. بالنسبة للأميركيين، استمرار الغموض النووي يعني تأجيل الخطر لا إزالته. وبالنسبة للإيرانيين، التخلي غير المشروط عن الورقة النووية يعني خسارة كبرى بعد حرب مكلفة. لهذا، فإن أحد أقوى المؤشرات الحالية على أن القادم قد يكون أصعب هو أن أخطر ملف في الأزمة لم يدخل بعد منطقة التسوية، بل ما زال في منطقة الإنذار المتبادل.

المؤشر الثاني، وربما الأكثر تأثيرًا عالميًا، هو مضيق هرمز. فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، يمر عبر المضيق نحو 20% من استهلاك النفط العالمي وأكثر من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، ما يجعل أي اضطراب فيه مسألة عالمية لا إقليمية فقط. ورغم إعلان الهدنة، أوضحت رويترز أن إيران تطرح إعادة فتح “مضبوطة” للمضيق تتطلب تنسيق السفن مع الجيش الإيراني، بينما أكدت تقارير أخرى أن حركة الشحن لم تعد إلى طبيعتها وأن شركات النقل والتأمين ما زالت تطلب وضوحًا بشأن شروط المرور. الاتحاد الأوروبي بدوره حذر من أن أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب لن تكون قصيرة، مشيرًا إلى أن نسبًا مؤثرة من وارداته النفطية والغازية ووقود الطائرات والديزل تمر عبر هرمز. بعبارة أخرى، الهدنة خففت الذعر لكنها لم تُعد الثقة.

هذا التطور في هرمز ليس مجرد تفصيل ملاحي؛ إنه تحوّل جيواستراتيجي بالغ الخطورة. لأن السؤال لم يعد فقط: هل المضيق مفتوح أم مغلق؟ بل: من يملك تعريف “الفتح”؟ الولايات المتحدة وحلفاؤها يريدون عودة الملاحة إلى وضع طبيعي غير مشروط، بينما تشير المؤشرات الحالية إلى أن إيران تسعى إلى تحويل قدرتها على تعطيل المضيق إلى ورقة نفوذ تفاوضي مستدام. وإذا استقر الأمر على عودة الملاحة بشروط إيرانية خاصة، فسنكون أمام سابقة تعيد رسم قواعد الردع البحري في الخليج. أما إذا رفضت واشنطن وحلفاؤها هذا الواقع، فإن احتمالات الاحتكاك البحري ستبقى مرتفعة، ما يعني أن الهدنة قد تبقى فوق سطح الماء فقط، بينما تستمر الأزمة في عمقها الاستراتيجي.

المؤشر الثالث شديد الأهمية هو اتساع الفجوة حول نطاق الهدنة نفسها. رويترز وأسوشيتد برس تحدثتا بوضوح عن خلاف حاد بشأن ما إذا كانت الساحة اللبنانية داخلة ضمن التهدئة أم مستثناة منها. الاتحاد الأوروبي دعا إلى تمديد الهدنة لتشمل لبنان، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون طالب باحترام وقف النار في كل مناطق الصراع، بينما استمرت الضربات الإسرائيلية العنيفة على لبنان، وهو ما وضع التهدئة تحت ضغط مباشر منذ لحظاتها الأولى. هذا التناقض خطير للغاية، لأنه يقول إن الجبهة الأساسية بين واشنطن وطهران لا يمكن فصلها بسهولة عن الجبهات المتشابكة في الإقليم. وإذا كانت الهدنة لا تضبط الميدان الإقليمي المرتبط بإيران، فإنها قد تتحول إلى اتفاق ناقص يولد أسباب انهياره من يومه الأول.

ومن هنا يظهر البعد الجيوسياسي الأعمق. ما يجري ليس أزمة ثنائية مغلقة بين دولة ودولة، بل أزمة تعيد اختبار هيكل الإقليم كله. إسرائيل طرف مؤثر وإن لم تكن الجلسة التفاوضية أميركية-إسرائيلية-إيرانية رسميًا. لبنان حاضر بالقوة بوصفه ساحة تفجير أو احتواء. دول الخليج تراقب بقلق لأن أي صيغة تمنح إيران نفوذًا أوسع في هرمز ستنعكس مباشرة على أمنها وسيادتها الاقتصادية. أوروبا تنظر إلى الأزمة بوصفها تهديدًا مباشرًا للطاقة والتجارة. باكستان ظهرت كوسيط قادر على جمع الوفود. وتركيا، بحسب رويترز، أدت دورًا استخباراتيًا في خفض سوء الفهم. كل هذا يعني أن ما بعد الهدنة لن تحدده إرادة واشنطن وطهران وحدهما، بل أيضًا قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على منع كل ساحة جانبية من تقويض المسار كله.

استراتيجيًا، يمكن القول إن الحرب الأخيرة لم تنتج نصرًا حاسمًا لطرف قادر على فرض نظام ما بعد الحرب بمفرده. هذا واحد من أهم المؤشرات التي يجب قراءتها بعناية. صحيح أن إيران تعرضت لخسائر كبيرة، لكن رويترز نقلت أيضًا أن طهران خرجت “مجروحة لكن قوية” من ناحية احتفاظها بأوراق ضغط مؤثرة، في مقدمتها هرمز، وجزء من مخزونها النووي، واستمرار شبكات نفوذها عبر حلفاء إقليميين. وفي المقابل، أثبتت الولايات المتحدة أنها قادرة على إيقاع ضرر كبير وفرض إيقاع تفاوضي، لكنها لم تُنهِ البرنامج النووي الإيراني نهائيًا، ولم تُلغِ قدرة طهران على إرباك التجارة والطاقة، ولم تُسقط نفوذها الإقليمي. هذه النتيجة أنتجت توازنًا مربكًا: لا غالب يحسم، ولا مغلوب يستسلم. وفي مثل هذه الحالات، تكون الهدنة ممكنة، لكن الصراع الطويل يظل أكثر احتمالًا من السلام السريع.

الجيواستراتيجية بدورها تقول شيئًا أكثر قسوة: إن ما بعد الهدنة قد يكون فعلًا مرحلة أصعب، ليس لأن الحرب ستعود بالضرورة فورًا، بل لأن الصراع قد ينتقل من طور المواجهة المباشرة إلى طور إعادة هندسة الإقليم بالقوة السياسية والاقتصادية والبحرية. إذا نجحت إيران في تكريس أمر واقع جديد في هرمز، ولو جزئيًا، فذلك سيعني أن نتائج الحرب لم تُضعفها استراتيجيًا بقدر ما أعادت تموضعها. وإذا نجحت واشنطن في تحويل الهدنة إلى اتفاق ينتزع اليورانيوم عالي التخصيب ويعيد حرية الملاحة غير المشروطة ويقيد أذرع إيران الإقليمية، فستكون قد أعادت تثبيت الردع الأميركي التقليدي. لكن المسافة بين هذين الاحتمالين واسعة جدًا، وكل خطوة تفاوضية داخلهما تحمل خطر الانفجار. لهذا فالأصعب قد لا يكون عودة الحرب التقليدية فقط، بل الدخول في مرحلة مساومات كبرى على شكل المنطقة نفسها.

هناك أيضًا مؤشرات اقتصادية لا ينبغي التقليل من دلالتها. الهدنة خففت جزءًا من الذعر الفوري في الأسواق، لكن رويترز نقلت عن مسؤولي قطاع الغاز الطبيعي المسال أن الأزمة تركت “ندبة” عميقة في القطاع، بعدما قفزت الأسعار بأكثر من 80% خلال الأزمة وتضررت الثقة في الاعتماد على الخليج كمصدر مستقر للإمدادات. الاتحاد الأوروبي قال صراحة إن أزمة الطاقة الناجمة عن الصراع لن تكون قصيرة. هذا يعني أن ما بعد الهدنة لن يكون عودة سريعة إلى الوضع السابق، حتى لو صمد وقف النار. بمعنى آخر، أحد مؤشرات المستقبل هو أن الكلفة الاقتصادية أصبحت جزءًا من بنية الأزمة نفسها، لا مجرد نتيجة جانبية لها. وحين تدخل الطاقة والغذاء والشحن والتأمين في قلب الصراع، يصبح أي تعثر سياسي مرشحًا للتحول بسرعة إلى أزمة عالمية جديدة.

أما على مستوى المؤشرات السياسية المباشرة، فهناك ثلاث علامات مقلقة. الأولى أن لغة الثقة غائبة بالكامل من التصريحات الأساسية؛ طهران تتحدث عن “حذر شديد”، وواشنطن تتحدث عن خطوط حمراء لا تزال قائمة.

الثانية أن الخلافات تدور حول القضايا الجوهرية لا حول التفاصيل الثانوية: النووي، الصواريخ، هرمز، لبنان، والعقوبات. والثالثة أن الوسطاء أنفسهم لا يبدون كأنهم يعلنون اختراقًا، بل كأنهم يديرون هشاشة مؤقتة. هذه المؤشرات مجتمعة لا تدل على انهيار حتمي، لكنها تدل بوضوح على أن المستقبل القريب سيكون مليئًا بالاختبارات. وفي عالم الأزمات المعقدة، كثرة الاختبارات تعني كثرة فرص الانزلاق.

يمكن القول إن القادم أسوأ ليس حكمًا حتميًا، بل احتمال قوي تدعمه مؤشرات ملموسة. وفي المقابل، هناك أيضًا مؤشرات على أن التهدئة قد تستمر، ولو كهدنة هشة وطويلة نسبيًا. من هذه المؤشرات أن الطرفين وصلا إلى نقطة يدركان فيها أن كلفة الحرب المفتوحة لم تعد مقبولة بسهولة؛ أن العالم، من أوروبا إلى آسيا، يمارس ضغطًا واضحًا لمنع انهيار التهدئة بسبب الطاقة والملاحة؛ وأن باكستان وغيرها نجحت بالفعل في فتح مسار تفاوضي حيث كان مسار النار يتسع. كما أن مجرد انتقال الأزمة من منطق الضربات إلى منطق الاجتماعات يمنح الدبلوماسية فرصة، حتى لو كانت محدودة ومهددة.

لكن بميزان التحليل العميق، يبدو أن السيناريو الأرجح ليس “سلامًا وشيكًا” ولا “حربًا شاملة غدًا”، بل مرحلة رمادية أشد تعقيدًا: هدنة قابلة للاستمرار على المدى القصير، لكنها قابلة للاهتزاز على المدى المتوسط، ومسار تفاوضي قد يتقدم خطوة ويتراجع خطوتين. هذه هي المرحلة الأصعب في الأزمات الدولية، لأنها تُغري العالم بالتفاؤل المبكر بينما تبقى أسباب الانفجار قائمة. فالحروب الواضحة قد تكون أبسط في القراءة من الهدن المعلقة؛ في الحرب تعرف أين يقف كل طرف، أما في الهدنة الهشة فكل طرف يبدو وكأنه يفاوض ويستعد في الوقت نفسه. والمؤشرات الحالية تقول إن هذا هو بالضبط ما يحدث الآن.

إذا أردنا تلخيص “ماذا بعد الهدنة؟” : فسنجد انه ما بعد الهدنة لن يكون عودة إلى ما قبل الحرب، بل مرحلة جديدة بالكامل، عنوانها الصراع على شروط ما بعد القتال. سياسيًا، ستتحدد الأمور وفق قدرة الطرفين على تحويل وقف النار إلى تفاهمات ملموسة. جيوسياسيًا، سيُختبر تماسك الإقليم أمام تداخل الجبهات. استراتيجيًا، سيبقى النووي وهرمز هما العقدتان الحاكمتان. وجيواستراتيجيًا، ستدور المعركة المقبلة—إن وقعت أو حتى إن لم تقع عسكريًا—حول من يملك حق إعادة تعريف الأمن والملاحة والردع في الخليج والشرق الأوسط. ولهذا، فإن المرحلة المقبلة قد تكون بالفعل أصعب من مرحلة الحرب نفسها، لأنها مرحلة صياغة النتائج، لا مجرد تحمل النيران.