
في زمن تتكاثر فيه الحرائق، وتتقدم فيه أصوات التهديد على حساب لغة العقل، تظل مصر واقفة في قلب المشهد، لا بوصفها دولة تتابع ما يجري من بعيد، بل باعتبارها قوة توازن حقيقية، تعرف كيف تتحرك حين يختل الإقليم، وكيف تتدخل حين تقترب المنطقة من حافة الانفجار، فالقاهرة لم تكن يومًا دولة تبحث عن الضجيج، لكنها كانت دائمًا دولة تدرك أن مسؤولية الكبار ليست في إشعال الأزمات، بل في احتوائها، وليست في توسيع مساحات النار، بل في فتح الأبواب أمام التهدئة والاستقرار.
ومن يتأمل المشهد الإقليمي الراهن، يدرك بوضوح أن التحرك المصري لم يكن مجرد موقف دبلوماسي عابر، ولا مجرد تعبير سياسي تقليدي، بل كان انعكاسًا عميقًا لفلسفة دولة تعرف وزنها، وتفهم خطورة اللحظة، وتدرك أن انفلات التوتر بين القوى الكبرى والإقليمية لا يهدد حدودًا بعينها، بل يهدد المعنى نفسه؛ معنى الدولة، ومعنى الاستقرار، ومعنى أن يبقى لهذا الشرق المنهك فرصة لالتقاط أنفاسه بعيدًا عن لغة اللهيب.
لقد بدت مصر، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وكأنها تتحرك من داخل وعيٍ تاريخي راسخ، يرى ما وراء العناوين العاجلة، وما بعد لحظة الانفعال، فالتصعيد في هذه المنطقة لا يتوقف أثره عند حدود السياسة، بل يمتد إلى الاقتصاد، والطاقة، والأمن، وحركة الشعوب، ومصير المجتمعات التي دفعت أثمانًا باهظة من الفوضى والانهيار، لذلك كان التحرك المصري حاسمًا في مضمونه، هادئًا في أدائه، عميقًا في دلالاته؛ تحركًا يرفض الانزلاق إلى الهاوية، ويدفع نحو التهدئة، ويدعم كل مسار يمكن أن يفتح نافذة للحل بين واشنطن وطهران، بما يحد من احتمالات الانفجار الواسع.
وهنا تتجلى قيمة الدولة المصرية فهي لا تتاجر بالأزمات، ولا تبني حضورها على صخب المزايدات، ولا تركب أمواج التوتر لتحصد مكاسب مؤقتة، مصر تتحرك بمنطق الدولة التي تفهم أن استقرار الإقليم جزء من استقرارها، وأن تهدئة الصراعات ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية لحماية الشعوب وصون مقدرات الأوطان، ولذلك جاءت الإشادات بدور القاهرة منسجمة مع حقيقة راسخة، وهي أن مصر كانت، وما زالت، الطرف الأقدر على أن يمنح السياسة فرصة حين تضيق المسافات، وأن يعيد إلى المشهد بعضًا من العقل حين يندفع كثيرون نحو المجهول.
إن التحرك المصري في دعم الاتفاقات، وتشجيع التهدئة، وكبح جماح التوترات، لم يكن دفاعًا عن صيغة سياسية مؤقتة فحسب، بل كان دفاعًا عن فكرة أكبر … أن هذا الإقليم لم يعد يحتمل مزيدًا من الجنون، وأن المنطقة التي أرهقتها الحروب لا تحتاج إلى ساحات اشتعال جديدة، بل تحتاج إلى دولة عاقلة تضع أمام الجميع حقيقة واضحة: لا منتصر في الفوضى، ولا مستقبل في اللهب، ولا أمان في ترك الأزمات تتغذى على ذاتها حتى تلتهم الجميع.
ولأن مصر تدرك تلك الحقيقة جيدًا، فقد جاءت تحركاتها كأنها رسالة سياسية وأخلاقية في آنٍ واحد؛ رسالة تقول إن الحكمة ليست ضعفًا، وإن التهدئة ليست تراجعًا، وإن الدولة القوية ليست تلك التي ترفع صوتها فقط، بل تلك التي تعرف كيف تمنع الانهيار، وكيف تحمي التوازن، وكيف تصنع من حضورها سدًا في وجه الانفلات الكبير.
إن القاهرة، وهي تؤكد موقعها كركيزة أساسية للاستقرار، تعيد تذكير المنطقة كلها بأن التاريخ لا يكتبه فقط من يملكون أدوات الحرب، بل يكتبه أيضًا من يملكون شجاعة إيقافها، ولهذا فإن مصر، في هذه اللحظة الدقيقة لم تكن مجرد وسيط بين أطراف متنازعة، بل كانت ضميرًا سياسيًا حاضرًا، وصوتًا للعقل في زمن الاضطراب، وحائط صد أمام اندفاعات كان يمكن أن تدفع الشرق الأوسط إلى فصل أكثر قسوة ووحشية.
هكذا تتحرك مصر بثقل الدولة، وبصبر الحضارة، وبحكمة من يعرف أن إنقاذ الإقليم من النار ليس مجرد دور سياسي، بل قدر تاريخي لا ينهض به إلا الكبار.




