Monday، 06 April 202607:57 PM
آراء حرة

لواء دكتور طارق جمعة يكتب: بين الأقصى والأسير قراءة تحليلية في مجلة النبأ وخطاب تنظيم الدولة الإسلامية

الإثنين، 06 أبريل 2026 04:38 مساءً
لواء دكتور طارق جمعة يكتب: بين الأقصى والأسير قراءة تحليلية في مجلة النبأ وخطاب تنظيم الدولة الإسلامية
لواء دكتور طارق جمعة – باحث فى شئون الارهاب والأمن الاقليمى بمعهد شئون الأمن العالمى والدفاع
15

في الأزمات الكبرى لا تكون المعركة فقط على الأرض بل على المعنى وبينما تنشغل القوى الدولية والإقليمية بإدارة الصراع في مستوياته العسكرية والسياسية تتحرك التنظيمات الجهادية في مستوى مواز أكثر هدوءا لكنه لا يقل خطورة وهو مستوى السردية.

 في هذا السياق.. يقدم العدد الأخير من مجلة النبأ الصادرة عن تنظيم الدولة الإسلامية نموذجا واضحا لكيفية استثمار اللحظة التاريخية لإعادة تشكيل الإدراك الجماعي وتوجيه الغضب الشعبي نحو مسارات تخدم مشروع التنظيم.

لا يقرأ هذا العدد بوصفه مادة دعائية تقليدية بل كمنتج استراتيجي يعكس تحولا أعمق في فهم التنظيم لديناميات التأثير فبدلا من الاكتفاء بالتعليق على الأحداث يسعى إلى إعادة تعريفها ليسأل القارئ ضمنيا من يملك الحق في تفسير ما يحدث ومن يملك شرعية الرد عليه وفي هذا الإطار يصبح الخطاب ليس مجرد وصف للواقع بل محاولة لإعادة بنائه داخل ذهن المتلقي.

منذ الصفحات الأولى يفرض الغلاف نفسه كنقطة دخول أساسية لفهم الرسالة الكلية عبارة أقصانا وأسرانا لا تعمل فقط كشعار تعبوي بل كبنية رمزية مركبة تجمع بين عنصرين بالغَي التأثير في الوعي الجمعي الإسلامي المكان المقدس والإنسان المقهور هذا الجمع يمثل محاولة واعية لبناء معادلة نفسية قادرة على إنتاج حالة من التوتر الأخلاقي فإذا كان المقدس منتهكا والإنسان مظلوما فإن الامتناع عن الفعل يصبح ضمن هذا المنطق نوعا من التواطؤ.

هذه المعادلة النفسية لا تستهدف فقط إثارة الغضب بل تسعى إلى إعادة توجيهه فالغضب في حالته الخام قد يكون مشتتا أو غير فعال لكن عندما يتم تأطيره داخل سردية واضحة يصبح قابلا للتحول إلى سلوك وهنا تظهر إحدى أهم أدوات التنظيم وهي تحويل المشاعر إلى التزام ثم إلى فعل تدريجي يبدأ بالاقتناع وينتهي بالفعل.

لكن الأهم أن التنظيم لا يتحرك داخل فراغ بل داخل ساحة سردية مزدحمة فالقضية الفلسطينية بما تحمله من رمزية وتعقيد ليست حكرا على فاعل واحد ومع ذلك يحاول التنظيم في هذا العدد أن يعيد تقديمها ضمن إطار مختلف أقرب إلى إعادة ترميز الصراع فبدلا من كونها قضية سياسية ذات أبعاد تاريخية وجيوسياسية يعاد تصويرها كجزء من صراع عقائدي شامل لا مكان فيه للتعدد أو الاختلاف في الرؤى.

في هذا السياق لا يتم فقط تبسيط الصراع بل يتم أيضا إقصاء أي سرديات بديلة سواء كانت سياسية أو إنسانية أو حتى دينية مختلفة وهو ما يخلق نوعا من الاحتكار التفسيري الذي يسعى التنظيم من خلاله إلى أن يصبح المصدر الوحيد للفهم وبالتالي المصدر الوحيد للفعل.

هذا التحول من التعدد إلى الاحتكار يعكس فهما عميقا لطبيعة التأثير في البيئات المضطربة فحين تتعدد التفسيرات يضعف التأثير أما حين يتم تقديم تفسير واحد حاسم فإنه يخلق وضوحا زائفا لكنه فعال في دفع الأفراد نحو اتخاذ قرارات متطرفة.

هذا التحول ينعكس بوضوح في طبيعة الخطاب المستخدم داخل العدد فبينما كانت الإصدارات السابقة تميل أحيانا إلى تقديم توجيهات مباشرة نلاحظ هنا ميلا متزايدا نحو التحريض غير المباشر لا توجد أوامر صريحة ولا تعليمات تفصيلية لكن هناك إشارات كثيفة ولغة دينية مشحونة وإلحاح مستمر على فكرة الواجب الفردي.

هذا النوع من الخطاب يمكن وصفه بالتحريض المرن حيث يمنح المتلقي مساحة للتأويل لكنه في الوقت نفسه يضعه داخل إطار نفسي محدد يدفعه نحو نتيجة شبه محسومة دون أن يتم إملاء التفاصيل عليه بشكل مباشر وهذا ما يجعله أكثر خطورة لأنه يصعب رصده قانونيا كما يصعب توقع نتائجه بدقة.

وهنا يظهر التحول الأعمق من التنظيم المركزي إلى النموذج الشبكي حيث لم يعد التنظيم بحاجة إلى بنية هرمية واضحة أو إلى تواصل مباشر مع العناصر بل أصبح يعتمد على خلق حالة ذهنية مشتركة يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى فعل فردي.

في هذا النموذج يصبح كل فرد مشروع فاعل محتمل وكل فكرة يمكن أن تتحول إلى حدث دون الحاجة إلى تخطيط مركزي وهو ما يعقد المشهد الأمني بشكل كبير لأن التهديد لم يعد محددا أو قابلا للحصر بل أصبح منتشرا وغير متوقع.

هذا التحول لا يعني تراجع التنظيم بل يعكس تكيفا مع الواقع الجديد حيث لم تعد السيطرة على الأرض ممكنة بنفس الشكل السابق فتم استبدالها بالسيطرة على الإدراك وهو تحول أكثر استدامة وأقل تكلفة في الوقت ذاته.

ولا يمكن فهم هذا الخطاب بمعزل عن سياق التنافس داخل الفضاء الجهادي فالتنظيم لا يزال يسعى إلى تقديم نفسه كصاحب الخط الأكثر حسما مقابل تصوير فاعلين آخرين كأطراف عاجزة أو مترددة وهذا الخطاب لا يستهدف فقط المنافسين بل يستهدف جمهورهم أيضا في محاولة لإعادة استقطابه.

هذا التنافس لم يعد يدور فقط حول من يملك القوة بل حول من يملك القدرة على الإقناع وهو ما يجعل السردية أداة مركزية في هذا الصراع حيث يتم استخدام اللغة والدين والرموز لإعادة تشكيل الولاءات والانتماءات.

إلى جانب الخطاب النصي يلعب البعد البصري دورا مهما فالصور المستخدمة لا تهدف فقط إلى التوضيح بل إلى التأثير العاطفي والنفسي … واللافت أن التنظيم لم يعد يعتمد على الصدمة البصرية العنيفة كما في السابق بل اتجه إلى صور أكثر قابلية للتداول وأقل دموية لكنها لا تزال محملة بدلالات قوية.

هذا التحول يعكس فهما أعمق لبيئة الإعلام الرقمي حيث لا يكون المحتوى الأكثر عنفا هو الأكثر انتشارا بل المحتوى الأكثر قابلية للمشاركة وإعادة الاستخدام وهو ما يدفع التنظيم إلى إنتاج محتوى يمكن تفكيكه وإعادة نشره بسهولة.

كما أن بنية المجلة نفسها تبدو مصممة لهذا الغرض حيث الفقرات قصيرة نسبيا والعناوين مباشرة والرسائل قابلة للاقتباس وهو ما يسمح بتحويلها إلى مواد منفصلة يمكن تداولها عبر منصات مختلفة دون الحاجة إلى قراءة العدد كاملا.

هذا يعني أن المجلة لم تعد مجرد وسيلة نشر بل أصبحت منصة إنتاج محتوى يمكن أن يعيش خارجها ويتكاثر عبر الشبكات الرقمية وهو ما يضاعف من تأثيرها ويطيل عمرها.

تكتسب هذه الاستراتيجية أهمية إضافية إذا ما نظرنا إلى توقيت صدور العدد ففي ظل تصاعد التوترات والانقسام الدولي وازدحام الأجندة العالمية تظهر لحظة يمكن وصفها بالفراغ السردي حيث تكون الروايات الرسمية ضعيفة أو متناقضة أو غير قادرة على إقناع الجمهور.

في مثل هذه اللحظات يصبح الجمهور أكثر قابلية لتبني تفسيرات بديلة حتى لو كانت متطرفة وهو ما يستغله التنظيم لتقديم نفسه كصاحب الرواية الأكثر وضوحا وحسما.

من الناحية الأمنية يطرح هذا الخطاب تحديات معقدة فبدلا من تهديد مركزي يمكن تتبعه نحن أمام طيف واسع من الاحتمالات حيث يمكن لأي فرد أن يتحول تحت تأثير هذا الخطاب إلى فاعل مستقل وهو ما يرفع درجة عدم اليقين ويصعب عملية التنبؤ.

كما أن الاعتماد على التحريض غير المباشر يجعل من الصعب إثبات العلاقة بين الخطاب والفعل وهو ما يخلق فجوة بين التحليل الاستخباري والإطار القانوني.

في النهاية يكشف هذا العدد من مجلة النبأ عن تحول نوعي في طبيعة الدعاية الجهادية فلم تعد المسألة تتعلق فقط بنشر أيديولوجيا بل بإدارة إدراك وتوجيه مشاعر وإعادة صياغة الواقع في ذهن المتلقي وبين الأقصى والأسير لا يحاول التنظيم فقط استدعاء التعاطف بل تحويله إلى التزام ثم إلى فعل وفي هذا تكمن خطورة اللحظة حيث تصبح المعركة على ما يعنيه ما يحدث وليس فقط على ما يحدث نفسه بل على من يملك القدرة على تفسيره وتوجيه نتائجه.