Thursday، 26 March 202605:22 PM
آراء حرة

طاهر أبو زيد يكتب: ما بين التطوع والسياسة… حدود لم تُحسم بعد

الخميس، 26 مارس 2026 03:21 مساءً
طاهر أبو زيد يكتب: ما بين التطوع والسياسة… حدود لم تُحسم بعد
المهندس طاهر ابو زيد
15

لم تكن بدايتي في العمل العام من بوابة السياسة المباشرة، بل من بوابة اتحادات الطلاب ثم العمل الشبابي والتطوعي عبر سنوات .

مثل كثيرين من أبناء جيلي، اندفعت إلى هذه المساحات مدفوعًا برغبة صادقة في المشاركة، والبحث عن دور، ومحاولة فهم كيف يمكن للشباب أن يكونوا جزءًا من معادلة التأثير في مجتمعهم.

 

كانت التجربة في بدايتها ثرية ومُلهمة.

مساحات واسعة للحركة، مبادرات ميدانية، فعاليات تنظيمية، واحتكاك مباشر بقضايا الشباب.

تشكل وعي جديد لدى جيل كامل، واكتسبنا خبرات لم تكن متاحة بسهولة في الماضي.

لكن مع مرور الوقت، بدأ سؤال أكثر عمقًا يفرض نفسه:

أين يقف التطوع… وأين تبدأ السياسة؟

 

بالنسبة لي، لم يكن العمل الشبابي مجرد نشاط عابر، بل محطة أساسية في تشكيل رؤيتي للعمل العام.

ومن خلال هذه التجربة أدركت أن التطوع، رغم قيمته الكبيرة في بناء الوعي والانتماء، لا يمكن أن يكون بديلًا كاملًا عن المسار السياسي الذي يقوم على إدارة المصالح وصناعة القرار وتحمل المسؤولية.

 

هذه اللحظة من الإدراك لم تكن سهلة ولم تأتي بسرعه بل بعد مجهود كبير وفهم اعمق.

لأن كثيرًا من الشباب يدخلون الكيانات الشبابية وهم يحملون طموحًا مشروعًا للقيادة والتأثير، لكنهم يكتشفون مع الوقت أن المسار غير محدد بوضوح، وأن سنوات من الجهد قد لا تترجم بالضرورة إلى دور حقيقي في المجال العام.

 

وهنا تظهر الإشكالية التي يقع فيها عدد كبير من المنتمين لهذه الكيانات:

التحرك داخل مساحة رمادية لا هي تطوع خالص… ولا هي عمل سياسي مكتمل.

 

التشتت التنظيمي… رغم محاولات الجمع

 

شهدت السنوات الماضية محاولات جادة لتنظيم العمل الشبابي وجمع الكيانات تحت مظلات أكثر تنسيقًا، وكان الهدف هو ترشيد الجهود وبناء أطر مؤسسية قادرة على استيعاب طاقة الشباب.

لكن الواقع مؤخرا كشف أن هناك توسع في إنشاء كيانات جديدة، بتكرار البرامج والأدوار، وهو مايعيد إنتاج حالة من التباين والتنافس الداخلي، حتى داخل الإطار التنظيمي الواحد.

 

فبدلًا من أن تتحول عملية الجمع إلى خطوة نحو توحيد الرؤية، بدا أحيانًا أنها مجرد إعادة ترتيب للشكل التنظيمي دون معالجة جوهر المشكلة.

وبقي الشباب يتحركون بين كيانات متعددة تحمل عناوين متقاربة، لكن دون مسارات واضحة للتدرج أو التأثير.

 

عندما يصبح الطريق أطول من اللازم

 

هذا الوضع خلق شعورًا متزايدًا لدى كثير من المتطوعين بأن الطريق الذي بدأوه بحماس لم تتحدد نهايته بعد.

فالأنشطة متماثله، والفعاليات للحضور الشكلي، و العلاقة بين الجهد المبذول والنتيجة المتوقعة تظل غير محسومة.

 

وفي مثل هذه الأجواء، يصبح من الطبيعي أن يبحث البعض عن مسارات أخرى أكثر وضوحًا، سواء داخل العمل السياسي أو خارجه.

 

وكان اختياري للانتقال من التطوع إلى العمل السياسي جزءًا من هذا البحث عن المعنى، وعن موقع يمكن من خلاله تحويل الخبرة إلى مسؤولية، والمشاركة إلى تأثير.

 

الإشكالية الأساسية في تقديري ليست في وجود الكيانات الشبابية أو في تعددها، بل في غياب تعريف واضح لدورها.

 

هل هي مدارس لإعداد القيادات السياسية؟

أم منصات للعمل المجتمعي والتطوعي؟

أم مساحات تنظيمية تجمع بين الاثنين دون حدود فاصلة؟

 

عدم حسم هذه الأسئلة يجعل التجربة عرضة للتشتت، ويجعل الشباب أنفسهم في حالة من التردد بين طموح القيادة وواقع النشاط.

 

الخطر الحقيقي اليوم لا يتمثل فقط في تكرار التشتت التنظيمي، بل في احتمال فقدان الثقة لدى الشباب الذين تحركوا بشغفهم بالفعل خلال السنوات الماضية.

فالحالة التي تشكلت — بما فيها من طموح وخبرة ووعي — لا يجب إهمالها أو التعامل معها باعتبارها مرحلة مؤقتة.

 

العودة إلى الصفر هنا لا تعني غياب الكيانات،

بل تعني غياب الإيمان بجدوى المشاركة ذاتها.

وهذا أخطر ما يمكن أن يواجه أي تجربة تسعى إلى بناء مستقبل أكثر استقرارًا وكفاءة.

 

من واقع تجربتي، أرى أن العمل الشبابي يظل خطوة مهمة في طريق العمل العام، لكنه لا يمكن أن يظل طريقًا بلا نهاية.

فما بين التطوع والسياسة حدود يجب أن تُحسم،

وما بين الحشد والتأثير مسافة تحتاج إلى رؤية واضحة.

 

إن تنظيم الكيانات أو دمجها قد يكون ضرورة،

لكن الأهم هو أن يشعر الشاب الذي اختار المشاركة بأن جهده يقوده إلى مسار مفهوم،

وأن التجربة التي بدأها بحلم يمكن أن تكتمل بنتيجة

 

ويبقى السؤال مطروحاً لكل شاب خاض التجربة

هل حددت وجهتك ما بين التطوع وما بين ممارسة السياسة؟

فلكل منهم أبواب معلومة ومسارات واضحة وانت سيد قرارك.