
في كل عام، حين يطل يوم عيد الأم في الحادي والعشرين من مارس، لا يكون الاحتفاء مجرد مناسبة عابرة تُختزل في كلمات التهاني أو باقات الزهور، بل هو لحظة تأمل عميقة في جوهر العلاقة الإنسانية الأولى، تلك التي تتشكل بين الأم وولدها، حيث تبدأ الحكاية بآلام لا توصف، وتستمر بعطاء لا ينضب، وتنتهي – إن انتهت – بذكرى خالدة لا تغيب ،فالأم ليست مجرد دور اجتماعي، بل هي حالة وجودية تتجسد فيها معاني التضحية والإيثار بأسمى صورها، إذ تتحمل آلام الحمل والولادة، ثم تمضي في رحلة التربية، حاملة على عاتقها مسؤولية تشكيل إنسان، لا مجرد تنشئته.
إن لحظة الولادة، بما تحمله من مشقة ومعاناة، ليست سوى بداية لطريق طويل من البذل، حيث تضع الأم راحتها جانبًا، وتؤثر أبناءها على نفسها، فتسهر حين ينامون، وتجوع ليشبعوا، وتضع أحلامها مؤقتًا كي تمنحهم القدرة على الحلم، هذه الحالة من الإيثار ليست فعلًا عابرًا، بل فلسفة حياة، تُجسد معنى أن يعيش الإنسان لغيره، وأن يرى في نجاح أبنائه امتدادًا لذاته، وفي صلاحهم طمأنينة لقلبه.
وقد أولى الإسلام للأم مكانة عظيمة، فجاءت النصوص الشرعية لتؤكد هذا المعنى الإنساني العميق، حيث قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم حين سُئل: “من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك”، في دلالة واضحة على عظم حقها، وعلو منزلتها، ووجوب برها والإحسان إليها. كما حذر الإسلام من عقوق الوالدين، وجعل برهما من أعظم القربات، لما في ذلك من حفظ للتوازن الأسري، وترسيخ لقيم الرحمة والوفاء في المجتمع، وتتجلى صورة الأم في أبهى معانيها في سيرة مريم العذراء، تلك السيدة الطاهرة التي اصطفاها الله لتكون آية من آياته، فحملت بالسيد عيسى عليه السلام بمعجزة إلهية، وواجهت آلام الولادة وحيدة، في لحظة إنسانية مفعمة بالخوف واليقين معًا، لكنها صبرت واحتسبت، فكانت نموذجًا خالدًا للأم التي تتحمل من أجل رسالتها، وتثق في حكمة الله. إن قصة مريم ليست مجرد حدث ديني، بل هي درس فلسفي في الطهر والصبر، وفي قدرة الأم على احتواء المعجزة حتى في أقسى الظروف ،وفي سياق آخر من الإيمان والتسليم، تبرز قصة أم موسى عليه السلام، حين أوحى الله إليها أن تلقي رضيعها في اليم خوفًا عليه من بطش فرعون، في مشهد تتجسد فيه ذروة التوكل، حيث يقول الله تعالى: “فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ”، فاستجابت الأم بقلب مؤمن، وألقت فلذة كبدها في الماء، ليعيده الله إليها رحمةً وعنايةً، وكأن الرسالة هنا أن الأم حين تثق بالله، تتحول مخاوفها إلى معجزات، وأحزانها إلى يقين.
ولا يمكن إغفال أن الدولة الحديثة، حين تسعى إلى النهوض، تدرك أن تمكين المرأة – وخاصة الأم – هو حجر الأساس لأي مشروع تنموي حقيقي، وفي هذا السياق، شهدت المرأة المصرية في عهد عبد الفتاح السيسي اهتمامًا غير مسبوق، حيث تم تعزيز دورها في مختلف المجالات، وتكريمها في مناسبات عديدة، إيمانًا بأن الأم ليست فقط مربية أجيال، بل شريك أساسي في بناء الوطن. وقد انعكس هذا التوجه في سياسات داعمة، ومبادرات اجتماعية، أكدت أن الاستثمار في المرأة هو استثمار في المستقبل.
وإذا كان الحديث عن الأم في بعدها الفردي يحمل كل هذا العمق، فإن صورتها في السياق الوطني لا تقل إشراقًا، حيث تتجلى في أمهات الشهداء والجرحى من الجيش والشرطة المصرية، أولئك اللواتي قدمن أبناءهن فداءً للوطن، فكان صبرهن امتدادًا لصبر الأمهات الأول، وكانت دموعهن ممزوجة بالفخر. إن أم الشهيد لا تفقد ابنًا فقط، بل تهب الوطن بطلًا، وتمنح المجتمع درسًا في التضحية، وتُجسد معنى الانتماء في أسمى صوره، لتصبح رمزًا حيًا للأم التي يتسع قلبها ليحمل وطنًا بأكمله ،إن الأم في جوهرها، هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الخير والعدل والانتماء، ومن خلالها تتشكل ملامح المجتمع، فإذا صلحت الأم صلح الجيل، وإذا نضج وعيها، نضجت الأمة كاملة، فهي التي تغرس القيم، وتبني الضمير، وتعلم أبناءها كيف يكونون أفرادًا فاعلين، قادرين على الإسهام في نهضة مجتمعهم، ومن هنا فإن دورها يتجاوز حدود الأسرة ليصل إلى صميم البناء الحضاري.
أما اختيار يوم الحادي والعشرين من مارس ليكون عيدًا للأم، فليس أمرًا عشوائيًا، بل يحمل دلالة رمزية عميقة، إذ يتزامن مع بداية فصل الربيع، حيث تتفتح الأزهار، وتنبعث الحياة من جديد، وكأن الطبيعة تحتفي بالأم بوصفها مصدر الحياة والتجدد. فالربيع ليس مجرد فصل، بل استعارة كونية للأمومة، حيث العطاء المستمر، والتجدد الذي لا ينقطع.
وفي ختام هذا التأمل، لا يسع الكلمات أن تفي الأمهات حقهن، فكل عبارة تبدو صغيرة أمام عظمة ما قدمن، وكل شكر يبدو قاصرًا أمام بحر العطاء الذي لا ينضب ،تحية إجلال لكل أم مصرية وعربية، صبرت، وضحت، وكافحت لتقدم للمجتمع أبناءً صالحين، يحملون راية الخير والبناء، تحية لكل قلب احتمل الألم بصمت، ولكل يد امتدت بالعطاء دون انتظار مقابل.
وإلي أُمِّي الغالية «أَمِينَةُ»… سِرُّ البَقَاءِ وَثَنَاءُ العَطَاءِ الَّذِي لَا يَنْتَهِي، وَنَبْضُ الحَنَانِ الَّذِي يُحْيِي الرُّوحَ كُلَّمَا أَعْيَاهَا الطَّرِيقُ
تلك التي شاء لها القدر أن تبقى أمًا بعد الستين، لا تكتفي بما قدمت لنا وإخوتي، بل تواصل العطاء لأحفادها، تتحمل مسؤوليتهم بحب، وتغمرهم برعايتها دون شكوى أو تعب، أقول: شكرًا لأنك كنتِ وما زلتِ النور الذي لا ينطفئ، والسند الذي لا يميل، والرحمة التي وسعت حياتي وحياة أبنائي، فيكِ يتجسد معنى الأمومة في أسمى صورها، وفيكِ أرى كيف يكون الحب حين يصبح فعلًا دائمًا لا ينتهي.






