
خبير دولي يحذر من كارثة خطيرة: ما ضُرب اليوم لن يطال إيران وحدها والكارثة قادمة على الجميع
مهران يستنكر ضرب المنشآت النووية وحقل بارس ويُثمّن الموقف القطري ويدعو لتفعيل آليات المساءلة الدولية
أكد الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي، أن استهداف إسرائيل بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية لحقل بارس الجنوبي في منطقة عسلويه بمحافظة بوشهر جنوبي إيران، يُشكّل جريمة حرب صريحة وموصوفة بموجب أحكام القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، التي تحظر بشكل قاطع استهداف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين.
وأوضح الدكتور مهران في تصريحات صحفية، أن حقل بارس الجنوبي، الذي يُعدّ الأكبر من نوعه على مستوى العالم، ليس هدفاً عسكرياً بأي معيار من معايير القانون الدولي الإنساني، بل هو منشأة طاقة مدنية تؤمّن جزءاً كبيراً من احتياجات الشعب الإيراني وتدعم صادرات الطاقة الإيرانية، وأن استهدافه يمثل انتهاكاً صارخاً للمادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، التي تحظر صراحةً مهاجمة الأشياء التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين من مرافق للطاقة والغاز والماء والغذاء.
وشدد على أن ما يزيد الأمر خطورةً وبالغ الدلالة القانونية، هو أن حقل بارس الجنوبي ليس شأناً إيرانياً خالصاً، بل هو حقل مشترك مع دولة قطر التي تُعرفه باسم حقل الشمال، ويمثل 70 بالمئة من دخلها القومي، مما يعني أن الضربة الإسرائيلية الأمريكية لم تطل إيران وحدها، بل امتدت آثارها لتمس بشكل مباشر مصالح دولة ثالثة غير طرف في هذا النزاع المسلح، وهو ما يفتح باباً قانونياً دولياً بالغ الخطورة لم يسبق التعامل معه في القانون الدولي بهذا الشكل.
وأشار استاذ القانون الدولي، إلى أن الخارجية القطرية أصابت تماماً حين أصدرت بيانها الذي يدين استهداف إسرائيل لمنشآت البنية التحتية للطاقة في إيران، ويصفه بأنه خطوة خطرة وغير مسؤولة في ظل التصعيد العسكري الراهن، ويُحذر من أن استهداف البنية التحتية للطاقة يعد تهديداً لأمن الطاقة العالمي ولشعوب المنطقة والبيئة فيها، مثمناً هذا الموقف القطري الذي يجمع بين البُعد القانوني والبُعد الإنساني والبُعد البيئي في رسالة واحدة موجزة وحازمة.
ولفت إلى أن إضافة البُعد البيئي في البيان القطري يحمل دلالة قانونية عميقة، لأن استهداف منشآت الطاقة والغاز يُفضي إلى كوارث بيئية لا تعرف حدوداً ولا تميز بين دولة وأخرى، وهو ما يجعل هذا الاستهداف انتهاكاً للمادة 35 من البروتوكول الإضافي الأول، التي تحظر استخدام أساليب الحرب التي يُقصد منها أو يُتوقع منها أن تُلحق بالبيئة الطبيعية أضراراً واسعة الانتشار وطويلة الأمد وشديدة.
وبيّن الدكتور مهران أن الأمر لا يتوقف عند منشآت الطاقة التقليدية، بل يمتد إلى ما هو أشد خطورة وأبعد أثراً، وهو استهداف المنشآت النووية الإيرانية، إذ كشفت التقارير عن استهداف ثلاث منشآت نووية رئيسية هي نطنز وأصفهان وفوردو، مع تدمير البنية الكهربائية الكاملة في منشأة نطنز، وهو ما أثار قلقاً دولياً بالغاً وصل إلى أعلى مستوياته بمطالبة روسيا صراحةً، عقب غارة بوشهر، بوقف الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية في موقف دبلوماسي روسي غير مسبوق منذ اندلاع هذه الحرب.
وأكد أن استهداف المنشآت النووية يُشكّل انتهاكاً بالغ الخطورة لقواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، ومخالفة صريحة للمعايير الدولية المتعلقة بحماية المنشآت التي تحتوي على قوى خطرة، وهو ما نصت عليه المادة 56 من البروتوكول الإضافي الأول، التي تحظر مهاجمة السدود والجسور ومحطات الطاقة النووية حتى وإن كانت أهدافاً عسكرية، إذا كان من شأن ذلك إطلاق قوى خطرة وتسبيب خسائر فادحة في صفوف السكان المدنيين.
وأعرب مهران عن قلق بالغ إزاء ما كشفته تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، من أن البنية التحتية الكهربائية في نطنز، بما في ذلك مبنى إمداد الطاقة الرئيسي ومولدات الطوارئ، قد دُمرت كلياً، وأن الجزء الأكبر من اليورانيوم الإيراني المخصّب بنسبة 60 بالمئة لا يزال مدفوناً تحت الأنقاض في أنفاق أصفهان ونطنز، مشيراً إلى أن مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي أكد عدم رصد أي ارتفاع في مستويات الإشعاع خارج المنشآت حتى الآن، غير أن الخطر البيئي والإنساني لا يزال قائماً وكامناً.
ونوّه إلى أنه كان قد نبّه مراراً في تحليلاته ولقاءاته الإعلامية على قنوات عربية ودولية عدة، إلى أن هذه الحرب تحمل في طياتها أبعاداً تتجاوز المواجهة العسكرية التقليدية لتصل إلى حرب على منظومة الطاقة العالمية بأسرها، وأن ضرب حقل بارس الجنوبي بالتحديد يُثبت صحة هذا التحليل، لأن حقلاً بهذا الحجم والأهمية الاستراتيجية إذا تعطّل أو توقف، سيُلقي بظلاله على أسواق الطاقة العالمية وأسعار الغاز دون استثناء.
كما أشاد الدكتور مهران بدعوة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مجددا، إلى تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، معتبراً إياها خطوة في الاتجاه الصحيح تعكس إدراكاً مصرياً واضحاً بأن الأمن العربي لا يتجزأ، وأن ما يهدد الخليج اليوم يهدد مصر وسائر الدول العربية غداً، مؤكداً أن اتفاقية الدفاع العربي المشترك الصادرة عام 1950 تمثل إطاراً قانونياً عربياً جماعياً، ينبغي توظيفه بشكل فاعل في مواجهة التهديدات الراهنة.
وأكد أن مصر والخليج وحدة راسخة في مواجهة أي تهديدات، مشدداً على أن هذا التضامن ينبغي أن يرتقي إلى مستوى الفعل الجماعي الموثق في إطار القانون الدولي والمعاهدات العربية، لا أن يظل في نطاق البيانات والتصريحات.
واستنكر الخبير الدولي، بشدة ما وصفه بالتناقض الصارخ في تطبيق مبادئ القانون الدولي، وازدواجية المعايير الغربية في التعامل مع انتهاكات القانون الدولي الإنساني، إذ يتم التسامح مع استهداف المنشآت المدنية والنووية حين يكون المنفذ إسرائيل، في حين تُستصدر قرارات الإدانة بشكل فوري حين يكون الطرف الآخر هو المتهم، مؤكداً أن القانون الدولي في جوهره يقوم على مبدأ المساواة في التطبيق وعدم التمييز، وأن أي انتهاك لهذا المبدأ يُقوّض المنظومة القانونية الدولية بأسرها.
وطالب الدكتور مهران في ختام تصريحاته بضرورة وقف إطلاق النار فوراً والتهدئة الشاملة في المنطقة، مشدداً على أن الاستمرار في هذا التصعيد المتسارع لن يُفضي إلا إلى كارثة إنسانية وطاقوية وبيئية تطال الجميع دون استثناء، سواء أكانوا أطرافاً في النزاع أم دولاً محايدة، ومحذرا من الانجراف وراء مخططات تستهدف تمزيق المنطقة وإشغالها بحروب داخلية وإقليمية تُذهب طاقتها وثرواتها وتُضعف موقفها في مواجهة التحديات الكبرى.
هذا وأكد أن العقل والحكمة والقانون الدولي تدعو جميعها إلى الحوار والدبلوماسية بديلاً عن لغة السلاح، داعية الدول العربية إلى التماسك والوحدة ونبذ الخلافات في هذه اللحظة الفارقة، لأن التفرق والاصطفاف خلف أجندات خارجية لن يخدم إلا المخططات الإسرائيلية التي تسعى منذ عقود إلى تفتيت الإرادة العربية وإبقاء المنطقة في دوامة صراع لا تنتهي، مُجدداً تأكيده على أن الأمن العربي الجماعي هو الدرع الوحيد القادر على صون الحقوق ورد العدوان وتحقيق السلام العادل والشامل الذي تنشده شعوب المنطقة.





