Friday، 13 March 202607:24 PM
الرئيسية

محمد غزال: فشل إيران في التعلم من دروس الماضي يفتح الباب لإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط

الجمعة، 13 مارس 2026 07:21 مساءً
محمد غزال: فشل إيران في التعلم من دروس الماضي يفتح الباب لإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط
محمد غزال
15

أكد المفكر السياسي محمد غزال، رئيس حزب مصر 2000، أن التطورات الأخيرة في المواجهة غير المباشرة بين إيران وإسرائيل، خاصة تلك التي أعقبت ما عُرف إعلامياً بـ«حرب الاثني عشر يوماً»، تمثل محطة استراتيجية مهمة في مسار الصراع الإقليمي، مشيراً إلى أنها كشفت بوضوح عن تحولات عميقة في طبيعة القوة والصراع في الشرق الأوسط، كما أظهرت في الوقت ذاته هشاشة بعض المنظومات الأمنية التقليدية أمام التفوق التكنولوجي والاستخباراتي في العصر الحديث.

 

وأشار إلى أن العمليات الاستخباراتية الدقيقة التي استهدفت مواقع وشخصيات داخل إيران خلال الفترة الأخيرة تعكس مستوى متقدماً من القدرات التقنية والاستخباراتية لدى خصومها، الأمر الذي يسلط الضوء على وجود خلل استراتيجي في منظومة الأمن وإدارة الأزمات داخل طهران، مضيفاً أن نجاح مثل هذه العمليات، خاصة عندما تقع داخل نطاقات يفترض أنها الأكثر تحصيناً أمنياً، يكشف عن ثغرات مؤسسية تتعلق بآليات الحماية والرقابة والاستخبارات المضادة.

 

وأوضح محمد غزال في تصريح لـه أن أسباب هذا الفشل يمكن فهمها في إطار ثلاثة محاور رئيسية مترابطة:

 

يمثل أولها في الإهمال الداخلي واحتمالات الاختراق المؤسسي، حيث إن تنفيذ عمليات دقيقة بهذا المستوى غالباً ما يرتبط بوجود تسرب للمعلومات الحساسة أو ضعف في منظومة الرقابة داخل بعض المؤسسات.

 

أما المحور الثاني فيتعلق بالعجز التقني أمام التفوق الإسرائيلي-الأمريكي في مجالات الاستخبارات الرقمية وتحليل البيانات والقدرات السيبرانية المتقدمة، وهي أدوات أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من إدارة الصراعات الحديثة.

 

بينما يتمثل المحور الثالث في غياب استراتيجية شاملة لإدارة الأزمات والتنبؤ بالتهديدات، وهو ما يجعل ردود الفعل في كثير من الأحيان متأخرة عن طبيعة التحديات القائمة.

 

وأضاف “غزال” أن هذه التطورات لا يمكن قراءتها فقط في إطارها الأمني المباشر، بل يجب النظر إليها باعتبارها رسالة استراتيجية أوسع تتعلق بطبيعة التحولات الجارية في النظام الإقليمي، فنجاح عمليات استخباراتية بهذا المستوى يعكس قدرة بعض القوى على فرض قواعد اشتباك جديدة في المنطقة، كما يبعث برسائل واضحة إلى مختلف الأطراف الإقليمية حول أهمية التفوق التكنولوجي والمعلوماتي في معادلات القوة المعاصرة.

 

وأكد علي أن الحروب في العصر الحديث لم تعد تبدأ عند الحدود العسكرية كما كان الحال في الماضي، بل أصبحت تنطلق في كثير من الأحيان من داخل الشبكات الرقمية التي تدير الحياة اليومية للدول. فالعالم اليوم يعتمد على بنية تقنية ضخمة تشمل الاتصالات والبيانات والأنظمة الرقمية، وهذه البنية تمثل في الوقت نفسه مصدر قوة ونقطة ضعف محتملة، إذ يمكن استغلالها في جمع المعلومات أو التأثير في البنية التحتية للدول خلال الأزمات والصراعات.

 

وأشار إلى أن الاستخبارات الحديثة لم تعد مجرد عمل سري تقليدي، بل تحولت إلى علم متكامل يعتمد على تحليل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي والقدرات السيبرانية، إضافة إلى فهم عميق لبنية المجتمعات والاقتصادات، ومن هنا فإن الدولة التي تمتلك القدرة على معرفة خصمها بدقة، وفهم أنماط تفكيره ونقاط ضعفه، تكون قد امتلكت جزءاً كبيراً من عناصر التفوق قبل أن تبدأ أي مواجهة مباشرة.

 

وأوضح أن الصراعات المعاصرة لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية، بل أصبحت تشمل أيضاً ضغوطاً اقتصادية وعقوبات سياسية وتنافساً تكنولوجياً ومحاولات للتأثير في الرأي العام، وهي أدوات تمثل مجتمعة ما يمكن وصفه بـ«حروب الاستنزاف الاستراتيجية» التي تعتمد على النفس الطويل والقدرة على الصمود أمام الضغوط المتراكمة.

 

وشدد على أن الدرس الأهم الذي تكشفه هذه التطورات يتمثل في أن قوة الدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من ترسانة عسكرية، بل بما تبنيه من الداخل من مؤسسات قوية واقتصاد منتج ومنظومة تعليم قادرة على صناعة المعرفة والابتكار. فالدولة التي تمتلك اقتصاداً متماسكاً، ونظاماً تعليمياً متطوراً، وإدارة قادرة على استثمار الموارد بكفاءة، تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والحفاظ على استقرارها في بيئة دولية شديدة التقلب.

 

وأضاف أن الاستثمار في التكنولوجيا والبحث العلمي، خاصة في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، أصبح ضرورة استراتيجية لأي دولة تسعى إلى حماية أمنها القومي في العصر الرقمي. كما أن بناء منظومات متقدمة لحماية المنشآت الحيوية والبنية التحتية الرقمية لم يعد خياراً، بل أصبح جزءاً أساسياً من معادلة الأمن الوطني.

 

وفي سياق متصل، أشار إلى أن قراءة ما يجري في المنطقة يجب ألا تقتصر على البحث السريع عن منتصر ومهزوم، بل ينبغي أن تكون قراءة استراتيجية أعمق لفهم التحولات الجارية في طبيعة القوة والنفوذ. فالدول التي تدرك هذه التحولات مبكراً وتسعى إلى بناء قدراتها الذاتية ستكون الأكثر قدرة على حماية مصالحها واستقرارها في المستقبل.

 

وأختتم تصريحه بالتأكيد على أن الحروب والأزمات الكبرى لا تكشف فقط موازين القوة بين الدول، بل تكشف أيضاً حدود تلك القوة ونقاط ضعفها. فالدولة الحكيمة ليست تلك التي تنتظر لحظة الخطر لتبحث عن الحماية، بل تلك التي تبني عناصر قوتها الحقيقية بهدوء واستمرار قبل أن تصل العواصف، مؤكداً علي أن العالم اليوم لا يحترم إلا الدول القادرة على حماية مصالحها بعقول أبنائها واقتصادها ومؤسساتها القوية، مشيراً إلى أن التجارب الإقليمية والدولية تؤكد أن الاستثمار في بناء الدولة من الداخل يظل الضمانة الأساسية للاستقرار والسيادة في عالم تتسارع فيه التحولات الاستراتيجية بشكل غير مسبوق.