Thursday، 12 March 202603:01 PM
آراء حرة

محمد ناجي يكتب … حين تتحول الحرب إلى لحظة تعيد تشكيل العالم

الخميس، 12 مارس 2026 02:12 مساءً
محمد ناجي يكتب … حين تتحول الحرب إلى لحظة تعيد تشكيل العالم
محمد ناجي زاهي
15

في التاريخ لحظات نادرة لا تبدو مجرد أحداث عابرة، بل أشبه بمنعطفات حادة تغير اتجاه الطريق كله … لحظات تتجمع فيها التوترات القديمة، وتشتعل فيها الصراعات الكامنة، حتى يصبح العالم كأنه يقف على حافة تحول لا يمكن التنبؤ بمداه، وما يجري اليوم في ظل التصعيد المتصاعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يحمل في طياته ملامح واحدة من تلك اللحظات الثقيلة التي قد تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، وربما في العالم كله.

فالشرق الأوسط لم يكن يوما مجرد رقعة جغرافية تتنازعها القوى، بل كان دائما مسرحا تتقاطع فوقه مصالح الإمبراطوريات القديمة والحديثة ، حيث تمر شرايين الطاقة التي تغذي الاقتصاد العالمي، وحيث تتشابك التحالفات والخصومات في شبكة معقدة يصعب فك خيوطها، لذلك فإن أي شرارة صراع في هذه المنطقة لا تظل محصورة في حدودها الضيقة، بل تمتد أصداؤها سريعًا إلى العواصم الكبرى والأسواق العالمية.

إيران، التي أمضت عقودًا في بناء نفوذها الإقليمي وتعزيز قدراتها العسكرية، ترى نفسها اليوم لاعبًا رئيسيًا في معادلة القوة الجديدة في المنطقة، فهي لا تنظر إلى المواجهة باعتبارها معركة حدود أو صواريخ فحسب، بل صراعًا طويل الأمد على موقعها في ميزان القوى الإقليمي … وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى هذا الصعود الإيراني باعتباره تهديدًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله، خاصة مع تطور برامج الصواريخ والنفوذ الإقليمي لطهران.

وبين هذين الطرفين تقف الولايات المتحدة، القوة الدولية الأكثر حضورًا في الشرق الأوسط، وهي تدرك أن الحفاظ على توازن الردع في المنطقة أصبح أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، فالتدخل المباشر في صراع واسع قد يفتح أبوابا يصعب إغلاقها، بينما ترك الأمور تتصاعد قد يقود إلى نتائج أكثر خطورة.

غير أن الحروب في الشرق الأوسط لا تنحصر عادة في مواجهة بين طرفين، فكل صراع هنا يحمل قابلية التمدد، حيث تتداخل الجبهات وتتعدد القوى المؤثرة، وفي لحظة واحدة قد يتحول النزاع المحدود إلى سلسلة من المواجهات المتشابكة التي تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية.

لهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في الضربة الأولى، بل في ما قد يتبعها من تفاعلات يصعب احتواؤها، فالعالم اليوم أكثر ترابطًا من أي وقت مضى، وأي اضطراب كبير في هذه المنطقة قد ينعكس فورًا على أسواق الطاقة، وحركة التجارة، واستقرار الاقتصاد العالمي.

ومع ذلك، تبقى المفارقة الكبرى أن جميع الأطراف تدرك حجم المخاطر التي قد تترتب على حرب شاملة، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع التراجع كثيرًا دون أن تبدو ضعيفة أمام خصومها، وهكذا يستمر المشهد في حالة توتر دائم، حيث يتقدم التصعيد خطوة ثم يتراجع خطوة أخرى، بينما يبقى شبح المواجهة الكبرى حاضرا في الخلفية.

وفي هذه اللحظة الدقيقة، يقف العالم مترقبا، وكأنه يراقب رقعة شطرنج كبرى تتحرك فوقها القطع بحذر شديد، كل قرار يحمل احتمالين، وكل خطوة قد تقود إلى طريقين مختلفين تمامًا: إما احتواء الأزمة، أو الانزلاق إلى مواجهة قد تكون واحدة من أكثر الصراعات تأثيرًا في تاريخ المنطقة الحديث.

ربما تمر هذه الأزمة كما مرت أزمات كثيرة قبلها، وتبقى المنطقة في دائرة التوتر المعتادة، لكن احتمالًا آخر يلوح في الأفق، احتمال أن تكون هذه اللحظة بداية فصل جديد في تاريخ الشرق الأوسط، فصل يعيد ترتيب موازين القوة ويكشف أن العالم الذي نعرفه اليوم قد يكون على أعتاب تغير عميق لا يمكن تجاهله.