Sunday، 01 March 202601:26 AM
آراء حرة

حسام الخُشت يكتب: حكايات من الصعيد (2).. ناسك أسيوط الذي حكم الإمبراطورية من كهف

الخميس، 26 فبراير 2026 01:36 صباحًا
حسام الخُشت يكتب: حكايات من الصعيد (2).. ناسك أسيوط الذي حكم الإمبراطورية من كهف
النائب حسام الخشت – نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل
15

على مر العصور، لم تكن قوة الصعيد تكمن فقط في سواعد رجاله أو فيض نيله، بل ايضا في ارواح نقية اختارت ان تهجر العالم لتجد الله، فاعطاها الله هيبة حكمت بها قلوب الملوك. حكايتنا الثانية ليست عن امير يحمل سيفا، بل عن ناسك يحمل ايمانا، قصة القديس يوحنا الاسيوطي، الرجل الذي بنى صومعته في كهف بصحراء اسيوط.فأصبح. مستشارا لأقوي إمبراطورية في العالم

ولد يوحنا حوالي عام 305 ميلاديا في مدينة ليكوبوليس (Lycopolis) مدينة الذئب كما سماها الاغريق، وهي اسيوط الحالية التي كانت مركزا اداريا مهما في مصر الرومانية. نشا في اسرة مسيحية ثرية تعمل بالنجارة، وكان امامه مستقبل واعد يرث فيه حرفة ابيه ويعيش حياة هانئة. لكن منذ صباه، كانت روح يوحنا تتوق الى ما هو اسمى من كنوز الارض. في السادسة والعشرين من عمره، اتخذ قرارا غير مجرى حياته الى الابد: قرر ان يترك كل شيء، دفء عائلته، راحة منزله، ومستقبله المضمون، وهرب سرا الى صمت الصحراء المهيب.

لم يذهب بعيدا، بل اختار جبل اسيوط الغربي، هذا الحائط الصخري الشاهق الذي يحرس وادي النيل. هناك وجد لنفسه مغارة قديمة مهجورة، وبدأ رحلة عزلة ستستمر ما يقرب من خمسين عاما. لم تكن عزلته هروبا من الحياة، بل كانت مواجهة مع النفس وتفرغا للعبادة. بنى بيده جدارا اغلق به على نفسه باب الكهف، ولم يترك سوى نافذة صغيرة، فتحة ضيقة هي كل صلته بالعالم الخارجي، يتناول منها طعامه القليل من الخبز والماء، ويتحدث من خلالها الى الزائرين الذين بدأوا يتوافدون عليه.

في البداية كان الزائرون من القرى المجاورة، فلاحون بسطاء واهالي مدينة اسيوط، ياتون لطلب بركته او مشورته في امور حياتهم. كان يوحنا، بصوته الهادئ الذي يخرج من ظلمة الكهف، يمنحهم السلام ويشفي امراضهم النفسية بكلمات الحكمة والايمان. شيئا فشيئا ذاع صيته، فلم يعد مجرد ناسك محلي، بل تحول الى منارة روحية يقصدها الناس من كل انحاء مصر.

وهنا تبدأ الحكاية التي تشبه الاساطير. لم تبق شهرة يوحنا حبيسة وادي النيل، بل عبرت امواج المتوسط ووصلت الى قلب الامبراطورية، الى القسطنطينية. سمع به الامبراطور الروماني ثيودوسيوس الاول، احد اقوى اباطرة روما، والذي كان عرشه يهتز تحت وطاة الحروب الاهلية الطاحنة. كان يواجه تمردا خطيرا من قائدين هما ماكسيموس واوجينيوس، وكانت روما على شفا حرب اهلية مدمرة.

في ذروة حيرته وقلقه، لم يكتف الامبراطور باستشارة قادته وجنرالاته، بل فعل شيئا لم يفعله امبراطور من قبل: ارسل وفدا رفيع المستوى، قاطعا الاف الاميال بحرا وبرا، الى ذلك الكهف المتواضع في جبل اسيوط. كان المشهد سرياليا وعظيما في ان واحد: مبعوثو الامبراطور بملابسهم الرسمية الفاخرة يقفون بخشوع امام نافذة صغيرة في صخرة جرداء، ينتظرون كلمة من رجل زاهد يرتدي ثوبا بسيطا ولا يملك من حطام الدنيا شيئا.

استشاروه في مصير الحرب التي هو مقدم عليها. من خلف النافذة سالهم يوحنا عن تفاصيل التمرد، ثم بعد صمت وصلاة اعطاهم نبوءته الواثقة التي وثقها المؤرخون: اذهبوا واخبروا الامبراطور انه سينتصر، ليس بكثرة جيشه بل بقوة الايمان الذي يدافع به عن الكنيسة. سيحقق نصرا دمويا ولكنه سيكون حاسما.

عاد الوفد الى القسطنطينية برسالة الناسك. وبالفعل خاض ثيودوسيوس الحرب، وفي لحظة كانت فيها الهزيمة وشيكة هبت عاصفة ترابية عنيفة عرفت تاريخيا في معركة نهر فريجيدوس، اعمت جيش العدو ومكنت جيش الامبراطور من تحقيق نصر ساحق، تماما كما تنبا رجل الله في اسيوط. منذ ذلك اليوم لم يعد يوحنا مجرد قديس، بل اصبح المستشار الروحي غير الرسمي للامبراطورية الرومانية، الذي لا يتخذ الامبراطور قرارا مصيريا قبل ان يعرف رايه.

ان قصة القديس يوحنا هي شهادة خالدة على ان القوة الحقيقية لا تنبع من السلطة او المال، بل من نقاء الروح وعمق الايمان. هي حكاية من قلب الصعيد تعلم العالم ان رجلا واحدا في كهف صغير، متسلحا بالحق، يمكن ان يكون صوته اقوى من جيوش واكثر تاثيرا من الاباطرة