
في سجلات التاريخ، هناك قصص ترويها الرياح على رمال الصحراء، قصص عن رجالٍ كانوا جبالاً في وجه العواصف.
حكايتنا الأولى من قلب الصعيد ليست عن فرعون بنى هرمًا، بل عن أميرٍ بنى حصنًا من الكرامة حول مدينته، في زمن اهتزت فيه عروش مصر، إنه “خبر-خبش”، حاكم أسيوط الذي حفر اسمه في الصخر، متحديًا أقوى إمبراطورية عرفها العالم القديم.
كان ذلك عام 525 قبل الميلاد، عام سقوط مصر. في تلك الأيام العصيبة، كان يجلس على عرش مصر الفرعون “بسماتيك الثالث”، وريث أمجاد أسر عريقة، لكنه كان على موعد مع قدر مأساوي. من الشرق، زحف الإمبراطور الفارسي “قمبيز الثاني” بجيوش جرارة لا تُقهر، قوة جبارة سقطت أمامها الممالك تباعًا، وبعد معركة “الفرما” الدامية، سقطت العاصمة “منف”، وبدا أن شمس مصر قد مالت نحو الغروب.
لكن بعيدًا عن ضجيج المعارك في الشمال، في مدينة “سيوط” (أسيوط القديمة)، كان هناك رجل يرفض أن يرى مدينته تُداس دون مقاومة، كان “خبر-خبش” أميرًا وحاكمًا، رجلًا من سلالة نبيلة نشأ على قصص أجداده.
وبينما كانت الأخبار تصل من الشمال عن هول الجيش الفارسي، لم يختر “خبر-خبش” طريق الاستسلام السهل. لقد اختار أن يكون درعًا لمدينته، وأن يقف وقفة رجل لا يقبل الضيم في أرضه.
وهذه القصة لم يروها لنا مؤرخ غريب، بل رواها البطل نفسه على جدران قبره الأبدي، في جبانة أسيوط الغربية، وتحديدًا في المقبرة التي تحمل اليوم الرقم 4، ترك لنا “خبر-خبش” سيرته الذاتية منقوشة بالهيروغليفية، هذه المقبرة، التي أعادت البعثات الأثرية الحديثة، مثل البعثة الألمانية-المصرية المشتركة، اكتشافها ودراسة كنوزها، هي المصدر المباشر لبطولته المنسية.
على أحد جدرانها، كتب بذكاء وفخر، لقد كنت درعًا لسيوط في يوم العاصفة”.أي عاصفة تلك التي تستحق أن تُخلّد على جدران قبره إلا عاصفة الغزو التي اجتاحت البلاد؟ وأضاف مؤكدًا، في نص يضج بالعزة لقد طردت المتمردين من هذه المقاطعة”.
في هذه الكلمات القليلة، يختصر لنا “خبر-خبش” فصلًا كاملًا من المقاومة، فصلًا لم يكتبه المنتصرون، لكنه بقي محفورًا في صخر الصعيد.إن حكاية “خبر-خبش” هي تذكير بأن البطولة ليست دائمًا في تحقيق النصر الساحق، بل أحيانًا تكون في مجرد الوقوف، في رفض الانحناء، وفي حماية من هم في رعايتك حتى آخر لحظة.
هذا الأمير الأسيوطي المنسي يعلمنا درسًا خالدًا: حتى في أحلك الأيام، يمكن لرجل واحد، بإرادة من حديد وإيمان بأرضه، أن يشعل شمعة كرامة لا ينطفئ نورها حتى لو غطاها غبار آلاف السنين.




