
لم أعد من رحلتي إلى برلين وباريس وأنا أحمل دهشة السائح، بل يقين المتأمل، لم أعد مشغولًا بالسؤال القديم: من الأفضل؟ بل بسؤال أعمق وأهدأ: لماذا لكل أمة شكلها الخاص في الوجود؟.
في برلين، شعرت أنني داخل عقل منظم، فالمدينة هناك ليست مجرد مبانٍ وطرق، بل بنية فكرية متجسدة في حجر وإسفلت، كل شيء يخضع لفلسفة الدقة، الزمن ليس مفهومًا مرنًا، بل قيمة أخلاقية، الالتزام ليس خيارًا فرديًا، بل عقدًا غير مكتوب بين الإنسان والمجال العام.
كنت أمشي في شوارع برلين فأشعر أن النظام ليس قيدًا، بل ضمانة، والدولة ليست خصمًا، بل إطارًا، والفرد ليس ذائبًا في المجتمع، بل قائم بذاته، مستقل الإرادة، واضح الحدود.
هناك في الشمال الأوروبي، أدركت أن البرودة المناخية صنعت شيئًا في الوجدان … الشتاء الطويل علّم الناس الاقتصاد في الحركة والكلمة، والمساحات الواسعة خلقت احترامًا تلقائيًا للمسافة، حتى الصمت له حضور مهيب، كأنه جزء من ثقافة العيش.
ثم انتقلت إلى باريس وهنا لم أجد العقل فقط، بل الذوق فباريس لا تُدار فقط، بل تُصاغ، لأن المدينة تبدو كأنها مشروع جمالي طويل المدى، الواجهات ليست مجرد أبنية، بل بيان ثقافي.. المقاهي ليست طاولات وكراسٍ، بل منصات حوار، الفن ليس رفاهية، بل هوية.
لكن، رغم هذا الجمال، كان ثمة شيء لا أستطيع تجاهله: الإيقاع هناك مختلف عن إيقاع قلبي، العلاقة بين الناس أهدأ، أكثر تحفظًا، أقل اندفاعًا، الدائرة الشخصية واضحة، والخصوصية مقدسة، والحميمية لا تُمنح بسهولة.
هنا بدأ الإدراك يتشكل في داخلي ببطء حيث أن أوروبا ليست نموذجًا عالميًا بقدر ما هي تجربة ناجحة داخل سياقها.
لقد بنت هذه المجتمعات فلسفتها على مركزية الفرد، وعلى فكرة أن النظام هو الحارس الأول للحرية، أما نحن، فقد نشأنا على مركزية العلاقة، نحن لا نرى الإنسان منفصلًا عن عائلته، ولا العائلة منفصلة عن مجتمعها، ولا المجتمع منفصلًا عن ذاكرته.
في بلادنا، الدفء ليس خيارًا اجتماعيًا، بل غريزة، نحن نقترب من بعضنا دون حساب المسافة بالسنتيمتر، نرفع الصوت لأن الحياة في داخلنا عالية، نتجادل، نختلف، لكننا نعود فنلتقي.
قد لا تكون مؤسساتنا دائمًا على الدرجة نفسها من الانضباط، لكن لدينا ما يمكن أن أسميه “رأس المال العاطفي”، لدينا شبكة غير مرئية من التضامن الفوري، لدينا قدرة مذهلة على تحويل الشدائد إلى مساحة جماعية للمساندة.
أدركت أن الخطأ الذي نقع فيه ليس في الإعجاب، بل في القياس، حيث نقيس أنفسنا بمسطرة صُنعت لخشب آخر.
وخاصة أن الزيتون لا يُقاس بمعايير الصنوبر، ولا النخيل بمعايير التفاح، لكل شجرة تربتها، ولكل حضارة مناخها الداخلي، ففي برلين، أعجبتني الصرامة الأخلاقية تجاه الوقت، وفي باريس، أبهرتني قدرة المجتمع على تحويل الجمال إلى سياسة ناعمة.
لكن حين تذكرت مصر، تذكرت شيئًا لا أراه هناك بالكثافة ذاتها: حرارة الانتماء ، ففي مصر، قد تختلف معنا على كل شيء، لكنك لن تبقى غريبًا طويلًا.
هناك خيط خفي يشد الناس إلى بعضهم، ربما هو التاريخ المشترك، ربما الجغرافيا، ربما الذاكرة الممتدة آلاف السنين ، وهنا فهمت أن المسألة ليست سباقًا حضاريًا، بل تنوعًا وجوديًا.
أوروبا تصلح لأوروبا… لبرودتها المنظمة، لعقلانيتها الدقيقة، لفلسفة الفرد المستقل، ونحن نصلح لبيئتنا… لشمسنا العالية، لصوتنا المرتفع، لعلاقاتنا المتشابكة، لدفء لا تصنعه أنظمة التدفئة بل تصنعه القلوب.
ليست القضية أن نصبح نسخة من أحد، بل أن نصبح أكثر وعيًا بأنفسنا، أن نبني نظامًا قويًا، نعم، لكن دون أن نفقد روحنا، أن نتعلم، نعم، لكن دون أن نذوب.
عدت من برلين وباريس مقتنعًا أن الحضارة ليست قالبًا جاهزًا يُستورد، بل نهرًا ينبع من الداخل، وكل أمة، إن لم تشرب من نبعها، ظلت عطشى ولو أحاطت بها أنهار الآخرين.



