Saturday، 14 February 202612:34 AM
آراء حرة

محمد ناجي زاهي يكتب…حين تبدو أوروبا كاملة… تظهر الحقيقة بين الشقوق

الخميس، 12 فبراير 2026 02:49 مساءً
محمد ناجي زاهي يكتب…حين تبدو أوروبا كاملة… تظهر الحقيقة بين الشقوق
محمد ناجي زاهي
15

من بعيد تبدو أوروبا لوحة متقنة الإطار؛ شوارع نظيفة، أنظمة صارمة، قوانين واضحة، ومؤسسات تعمل كالساعات السويسرية، لكن الاقتراب يكشف شيئًا آخر لا يظهر في الصور الدعائية ولا في كتيبات السفر، فهناك مفارقات حادة بين الشكل والمضمون، بين النظام والإنسان، بين الرفاه الظاهر والفراغ الداخلي، ليست المسألة هجومًا على تجربة، بل قراءة متوازنة لما وراء الواجهة.

أوروبا تقدم نموذجا عالي الكفاءة في الإدارة والخدمات، لكنها في المقابل تُنتج إنسانًا مثقلًا بالوحدة، يمكنك أن تعيش سنوات وسط مدينة كبرى دون أن يعرفك جارك، ودون أن يطرق بابك أحد إن غبت، الخصوصية هناك مقدسة، لكنها أحيانًا تتحول إلى عزلة باردة، فالنظام الأوروبي يحميك… لكنه لا يحتويك.

هناك أيضا مفارقة الحرية المقننة؛ حرية واسعة في الاختيارات الشخصية، يقابلها تعقيد شديد في أبسط الإجراءات الحياتية، ورقة ناقصة قد تعطل مسارًا كاملًا، وموعد إداري مؤجل قد يجمد مصلحة لشهور، كل شيء محسوب بدقة، لكن المرونة محدودة، والاستثناء نادر، والإنسان مطالب أن يتكيف مع النظام لا أن يتكيف النظام معه.

اقتصاديًا، تبدو القوة واضحة، لكن تكلفة الحياة مرتفعة إلى حد يجعل كثيرين يعملون طوال الوقت فقط ليحافظوا على مستوى معيشي متوسط، الضرائب عالية، والخدمات مدفوعة، والدعم الاجتماعي موجود لكنه مشروط ومعقد. الإذدهار هناك حقيقي، لكنه ليس مجانيا، وليس سهل المنال كما يتخيل البعض.

اجتماعيا، تتحدث أوروبا كثيرًا عن التعددية، لكنها تعاني توترات هوية صامتة … مجتمعات مهاجرة تعيش على الهامش، وأحياء كاملة تُوصم، وخطابات اندماج لا تنجح دائمًا كما تُعرض، الصورة المثالية للتعايش ليست بنفس النعومة على أرض الواقع، حيث يوجد قبول قانوني، لكن القبول الإنساني يتفاوت.

في المقابل، بلادنا العربية رغم ما فيها من تحديات تملك ما هو أثمن لنا نحن: القرب الإنساني وشبكة العلاقات ليست ترفًا اجتماعيًا بل نظام دعم حقيقي، العائلة ليست خيارًا، بل مؤسسة حياة، الجار ليس رقم شقة، بل معرفة وسند … التفاعل اليومي، السؤال، المشاركة، المجاملة، المواساة كلها عناصر أمان نفسي لا تُشترى.

ولدينا أيضًا ميزة الانتماء الثقافي المتجانس؛ اللغة، العادات، الإيقاع الاجتماعي، روح الدعابة، طرق التعبير كلها مفهومة بلا ترجمة لا تحتاج أن تشرح نفسك كثيرًا، ولا أن تعيد تعريف هويتك في كل موقف، هذا التوافق يختصر مسافات نفسية هائلة.

اقتصاديًا، قد لا نملك نفس متوسط الدخل، لكن تكلفة الحركة أقل، وفرص المبادرات الفردية أسرع، وإمكانية البدء من الصفر أكثر واقعية، السوق عندنا حي، يتجاوب بسرعة، ويكافئ الجرأة، ويمنح الفرص لمن يتحرك.

ليست المقارنة هنا لإعلان فوز طرف وهزيمة آخر، بل لتصحيح زاوية الرؤية، أوروبا تصلح لأوروبا، ونحن نصلح لبيئتنا وثقافتنا وإيقاعنا. الأفضل ليس مطلقًا… الأفضل هو الأنسب لنا.