Saturday، 14 February 202612:34 AM
آراء حرة

محمد ناجي زاهي يكتب … بين برلين وباريس ظهرت عظمة مصر

الإثنين، 09 فبراير 2026 06:13 مساءً
محمد ناجي زاهي يكتب … بين برلين وباريس ظهرت عظمة مصر
محمد ناجي زاهي
15

حينما وطأت قدماي شوارع برلين أول مرة، كنت أحمل في ذهني صورة المدينة الأوروبية النموذجية: نظام صارم، بنية تحتية متقنة، تفاصيل محسوبة بالدقيقة … وحين انتقلت بعدها إلى باريس، المدينة التي تُسوَّق دائمًا نفسها عاصمة للجمال والفن والحضارة، كنت أتوقع أن أجد نموذجًا يصعب مقارنته بأي مكان آخر، لكن المفاجأة التي لم أكن أتوقعها أن المقارنة لم تكن في صالحهم كما تخيلت بل أعادت تعريف نظرتي لمصر بالكامل.

في برلين رأيت الانضباط، نعم، ورأيت شبكة مواصلات دقيقة، وخدمات رقمية متقدمة، ومساحات منظمة، لكنني رأيت أيضًا مدنًا باردة الروح كبرودة الطقس، تمشي فيها الساعات بانتظام، بينما يمشي الإنسان وحيدًا، كل شيء يعمل، لكن ليس كل شيء حي … الكفاءة موجودة، لكن الدفء الإنساني محدود، والتواصل الاجتماعي محسوب، والحياة تمضي كجدول مواعيد طويل.

وفي باريس رأيت الجمال المعماري والمتاحف والشوارع التاريخية، مدينة تُبهر العين بلا شك، لكن خلف الواجهات اللامعة، رأيت تحديات خدمية، وتعقيدات إدارية، وازدحامًا، ومناطق تعاني من الإهمال، ليست المدينة المثالية كما تُعرض في الصور الترويجية … هي جميلة نعم لكنها ليست كاملة، وليست خالية من الأزمات.

ومن هنا بدأت المقارنة الحقيقية تتشكل في ذهني، فمصر لا تملك فقط آثارًا أو تاريخًا أو موقعًا جغرافيًا مميزًا .. هذه عناصر معروفة .. لكنها تملك ما هو أعمق: طاقة بشرية هائلة، مرونة اجتماعية، قدرة على التكيف، وروح حياة لا تنطفئ .. في مصر يمكنك أن تبدأ مشروعًا بفكرة صغيرة فتجد من يساعدك، يمكنك أن تتحرك اجتماعيًا بسرعة، يمكنك أن تخلق فرصًا من لا شيء، هذه الديناميكية نادرة في كثير من المدن الأوروبية التي تعمل بكفاءة عالية لكنها ببطء ثقيل في التغيير.

ففي القاهرة رغم الزحام توجد حركة، وفي الإسكندرية رغم التحديات يوجد نبض، وفي مدن الدلتا والصعيد رغم نقص الخدمات أحيانًا توجد موارد بشرية وعقول شابة قادرة على القفز السريع إذا وُجد التنظيم والاستثمار الصحيح.

لدينا ما هو ليس عندهم كثيرًا وربما لا يُقاس أصلًا بالمقاييس التي اعتادوا استخدامها، لدينا وفرة الروح قبل وفرة الأدوات، واتساع القلب قبل اتساع الشوارع، ومرونة الإنسان قبل صرامة النظام، هذه ليست جملة عاطفية، بل حقيقة شعرت بها بوضوح وأنا أقارن بين ما رأيت هناك وما نعيشه هنا.

لدينا مجتمع لا يزال يعرف معنى السند.. ففي مصر لا تسقط وحدك بسهولة، لأن شبكة العلاقات الإنسانية بداية من العائلة، الأصدقاء، الجيران، وحتي زملاء العمل تشكل طبقة أمان اجتماعي غير مكتوبة، لكنها فعالة.

لدينا سرعة حركة لا تُصدق، القرار يمكن أن يتحول إلى فعل في وقت قصير، الفكرة يمكن أن تجد طريقها للتنفيذ دون طبقات طويلة من البيروقراطية الباردة، صحيح أن التنظيم عندهم أدق لكن عندنا قابلية الانطلاق أسرع حين تتوفر الإرادة.

لدينا تنوع لا يُشترى … تنوع جغرافي، ثقافي، تاريخي، وبشري، من البحر إلى الصحراء، من المدن الكبرى إلى القرى، من الصناعات التقليدية إلى التكنولوجيا الحديثة، مساحة الاحتمالات في مصر واسعة بشكل استثنائي تحتاج فقط إلى من يربط النقاط ببعضها.

لدينا قدرة مذهلة على الابتكار تحت الضغط، فالمصري يبدع عندما تضيق الموارد، يحلّ، ويبتكر، ويعيد التشكيل، هذه المهارة لا تُدرَّس في الجامعات، لكنها موجودة في الشارع، في الورش، في الشركات الصغيرة، في عقول الشباب.

لدينا سوق حي، كثيف، متعطش، سريع التفاعل، أي فكرة جيدة تجد جمهورًا، أي خدمة حقيقية تجد مستخدمين، أي مشروع مدروس يجد فرصة للنمو، هذه الكثافة السكانية التي تُعرض أحيانًا كمشكلة هي في الحقيقة قوة اقتصادية كامنة، ولدينا قبل كل ذلك: الإحساس بالحياة.

المدن هناك تعمل بكفاءة عالية ـ نعم ـ لكن مدننا تعيش، فالضجيج ليس دائمًا عيبًا، أحيانًا هو دليل نبض، والحركة ليست فوضى دائمًا، أحيانًا هي طاقة، الاختلاط ليس ازدحامًا فقط، بل تفاعلًا إنسانيًا مستمرًا.

لسنا أقل مما نظن نحن أكثر مما نفعل، لدينا ما ليس عندهم… الكثير والكثير، وما نحتاجه ليس أن نصبح نسخة منهم، بل أن نصبح النسخة الأفضل من أنفسنا.