
اعتادت الدول النامية، ومنها مصر، أن تقيس تقدمها بحجم ما تُنجزه، لا بقدرة ما تُنجزه على البقاء والتأثير، فالإنجاز في الوعي العام هو ما يُرى سريعًا، ويُفتتح رسميًا، ويُلتقط له الصور، أما الاستدامة فهي ما يعمل في صمت، ويصمد أمام الزمن، ويُثبت جدواه بعد انقضاء لحظة الاحتفال.
خلال السنوات الأخيرة، شهدت مصر موجة غير مسبوقة من الإنجازات في مجالات متعددة: بنية تحتية، عمران، طاقة، طرق، ومدن جديدة، إنجازات حقيقية لا يمكن إنكارها، نقلت الدولة من مرحلة الجمود إلى مرحلة الحركة، ومن التردد إلى الفعل، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: هل أنجزنا؟ بل أصبح: هل ما أنجزناه قابل للاستمرار؟ فالإنجاز، بطبيعته حدث أما الاستدامة فهي مسار، والفارق بينهما هو الفرق بين مشروع يُقام، ومنظومة تُدار، وكثير من الدول نجحت في البناء، لكن القليل منها نجح في التحول من منطق التنفيذ إلى منطق الاستدامة، حيث تصبح الصيانة، والتشغيل، والتقييم المستمر، جزءًا أصيلًا من عملية التنمية، لا عبئًا مؤجلًا.
والمهم هنا أن هذا التحول لم يعد مجرد طموح نظري، بل بدأت ملامحه تظهر بوضوح في التجربة المصرية الحديثة، فقد انتقلت الدولة، تدريجيًا من التركيز على إنجاز المشروع إلى التفكير في دورة حياته كاملة، من التخطيط وحتى التشغيل والاستدامة، وهو تحول يعكس رؤية أشمل للتنمية، ووعيًا متزايدًا بأن ما يبنى اليوم يجب أن يخدم أجيال الغد لا أن يثقل كاهلها، ولقد أصبح الحديث عن الاستدامة، وتعظيم العائد من الأصول، وربط المشروعات بالأثر الاقتصادي والاجتماعي، جزءًا من خطاب الدولة وممارساتها، لا مجرد شعارات، ويعود ذلك إلى وجود قيادة سياسية واعية بحتمية هذا التحول، ومدركة أن الإنجاز وحده لا يكفي، ما لم يتحول إلى قيمة مضافة مستمرة، وإلى بنية قادرة على الصمود والعمل بكفاءة مع مرور الوقت.
والمعضلة الأساسية أن العقل الإداري غالبًا ما يتوقف عند لحظة الإنجاز، وكأنها نهاية الطريق، بينما هي في الحقيقة بدايته، فالمشروع بعد افتتاحه يحتاج إلى إدارة أكثر تعقيدًا مما احتاجه أثناء إنشائه، يحتاج إلى كوادر ونظم حوكمة، وبيانات، ومؤشرات أداء، وربط حقيقي بالأثر الاقتصادي والاجتماعي، وبدون ذلك يتحول الإنجاز إلى أصل مُستهلك لا إلى رصيد مُنتج.
فالتحول إلى الاستدامة لا يعني إبطاء وتيرة الإنجاز، بل يعني تعظيم عائده، فالدولة التي تحسن إدارة ما أنجزته، توفر على نفسها تكلفة إعادة البناء، وتكسب ثقة المجتمع، وتفتح المجال لاستثمارات أكثر ذكاءً، والاستدامة هنا ليست شعارًا بيئيًا فقط، بل مفهومًا اقتصاديًا وإداريًا يعيد تعريف النجاح نفسه، ولا يمكن لهذا التحول أن يكتمل دون ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة؛ ثقافة ترى في التشغيل كفاءة، وفي الصيانة استثمارًا، وفي البيانات أصلًا استراتيجيًا، وفي التقييم المستمر ضرورة لا ترفًا، وهي ثقافة بدأت تتشكل بالفعل، لكنها تحتاج إلى تعميق واستمرارية حتى تؤتي ثمارها كاملة.
وإن أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة في مرحلة البناء المكثف هو أن تظل أسيرة لمنطق “الكم” على حساب “الأثر”، فالطريق لا يُقاس بطوله، بل بما يُحرّكه من إنتاج، والمبنى لا يُقاس بارتفاعه، بل بما يقدمه من خدمة، والمشروع لا يُقاس بتكلفته، بل بعمره الافتراضي وجدواه المستمرة، فالتحول من الإنجاز إلى الاستدامة ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية، ومسارًا بدأت مصر بالفعل في السير فيه، مدفوعة برؤية واضحة، وإرادة سياسية واعية، وفهم أعمق لمعنى التنمية الحقيقية، فالتاريخ لا يتذكر من بنى أكثر، بل من بنى وبقي.





