Tuesday، 27 January 202609:27 PM
آراء حرة

اللواء طارق جمعة يكتب: قراءة في مرتكزات الفكر الجهادي من الحاكمية إلى التمكين.. عندما تتحول القناعة إلى يقين قاتل

الثلاثاء، 27 يناير 2026 05:52 مساءً
اللواء طارق جمعة يكتب: قراءة في مرتكزات الفكر الجهادي من الحاكمية إلى التمكين.. عندما تتحول القناعة إلى يقين قاتل
لواء دكتور طارق جمعة – باحث فى شئون الارهاب والأمن الاقليمى بمعهد شئون الأمن العالمى والدفاع
15

في كثير من شهادات المنخرطين السابقين في التنظيمات المتطرفة لا يظهر الدافع بوصفه كراهية صريحة بل بوصفه قناعة أخلاقية.

يقول أحدهم: «كنت أظن أنني أقوم بما يجب على المسلم فعله حين يُهان دينه وتحكم بلاده بغير شرع الله».

هذه القناعة لا تولد من فيديو واحد ولا من موقف سياسي عابر، بل من مسار تدريجي لإعادة تشكيل الوعي، يعيد تعريف مفاهيم مثل الدين والمجتمع والسلطة والعنف.

هنا يصبح التطرف ليس مجرد ظاهرة أمنية بل عملية إنتاج أيديولوجي لها منطق داخلي متماسك، ويمكن تتبعها عبر سبعة مرتكزات فكرية تشكل معًا سردية قادرة على إعادة إنتاج العنف بأشكال مختلفة.

المرتكز الأول

الحاكمية — حين تتحول السياسة إلى عقيدة إيمانية

تشير الحاكمية إلى مرجعية الشريعة في القيم والتشريع، لكن التنظيمات المتطرفة تعيد صياغتها في معادلة صارمة: إما حكم بالشريعة كما نفهمها نحن أو كفر وطاغوت.

بهذا التحويل يُنقل الخلاف من مجال السياسة والاجتهاد إلى مجال الإيمان والكفر؛ الدولة لا تصبح خصمًا سياسيًا بل عدوًا عقديًا، ومعارضتها تتحول من فعل سياسي إلى جهاد.

آلية الانزلاق:

— اختزال مفهوم فقهي واسع في تعريف أيديولوجي ضيق

— إلغاء فقه المقاصد والمآلات

— إسقاط نصوص عقدية على واقع سياسي معقّد

القاعدة و”العدو البعيد”

استندت القاعدة إلى منطق الحاكمية لتكفير الأنظمة، لكنها وسّعت المعادلة لاحقًا: الأنظمة لن تسقط إلا بضرب داعميها الدوليين، أي العدو البعيد.

بهذا التوسيع تحولت الحاكمية من قضية داخلية إلى مبرر لحرب عالمية نُقلت فيها المعركة من ساحات محلية إلى قلب المدن الغربية.

المرتكز الثاني

الجاهلية — نزع شرعية المجتمع قبل الصدام معه

بعد إسقاط شرعية النظام ينتقل الخطاب خطوة أبعد: المجتمع ذاته يعيش جاهلية معاصرة.

هنا لا يعود الخلل سياسيًا فقط بل حضاريًا وأخلاقيًا شاملًا.

الجاهلية في هذا السياق لا تعني ضعف التدين بل فساد البنية الاجتماعية برمتها، متمثلة في الإعلام والتعليم والتدين الشعبي وحتى العلماء والمؤسسات الدينية.

الوظيفة النفسية:

— تآكل الانتماء الاجتماعي

— تبرير العزلة والقطيعة

— تهيئة نفسية للصدام مع البيئة المحيطة

بهذا تصبح المواجهة مع المجتمع نفسه أمرًا طبيعيًا في اتجاه “الإصلاح الجذري”.

المرتكز الثالث

العصبة المؤمنة — صناعة جماعة بديلة عن المجتمع

بعد نزع الشرعية عن المجتمع يحتاج التنظيم إلى ملء الفراغ النفسي: نحن الجماعة المؤمنة والطليعة المختارة والفرقة التي تمثل الإسلام الحقيقي.

هذه الفكرة ليست تنظيمية فقط بل إعادة تشكيل للهوية؛ الجماعة = العائلة، القيادة = المرجعية الدينية، والخارج = بيئة ضلال أو خطر.

الوظيفة التنظيمية:

تعزيز الطاعة المطلقة، تقليل أثر الشكوك الفردية، تسهيل التضحية باسم الأخوة الجهادية.

القاعدة في العراق ثم داعش:

في خطاب الزرقاوي ثم داعش لاحقًا جرى تصوير التنظيم باعتباره الوحيد الصادق في تطبيق المنهج، بينما صُوّر المجتمع السني نفسه كبيئة ملوثة بالتعاون أو النفاق.

هذا أسس لشرعنة عنف واسع ضد عشائر وأئمة ومقاتلين سابقين بزعم أنهم خارج العصبة المؤمنة.

المرتكز الرابع

الولاء والبراء — تحويل الهوية إلى نظام فرز عدائي

في الفكر العقدي التقليدي الولاء والبراء مفهوم أخلاقي يتعلق بالمحبة والانتماء، لكن في الخطاب المتطرف يتحول إلى معيار سياسي وأمني:

الولاء يعني دعم التنظيم وخياراته القتالية، والبراء يعني العداء الصريح لكل مخالف.

النتائج العملية:

تخوين أي رأي ناقد، تجريم التعايش والعمل المدني، تحويل الخلاف الفقهي إلى صراع وجودي.

بهذا يُغلق المجال أمام أي حلول وسط أو مسارات إصلاحية.

المرتكز الخامس

التكفير — حين يصبح القتل فعلًا تعبديًا

التكفير هو أخطر مفاصل ماكينة التطرف، لأن العنف لا يصبح مجرد وسيلة بل واجبًا دينيًا.

التنظيمات نادرًا ما تبدأ بالتكفير الشامل، بل عبر تسلسل يشمل: تكفير الأنظمة ومن يتعاون معها، ثم توسيع الدائرة لتشمل قطاعات اجتماعية.

لماذا التكفير محوري؟

لأنه يزيل كل القيود الأخلاقية عن القتل ويحوّل الضحية إلى “مستحق للعقوبة”.

داعش في الموصل والرقة:

اعتمد التنظيم على منطق تكفيري متدرج لتبرير إعدامات واسعة لشيوخ عشائر وأئمة بزعم الردة أو موالاة الطاغوت.

وتحولت المدن إلى مساحات اشتباه دائم، وانتهى أي فصل بين المدني والمقاتل.

المرتكز السادس

فقه المفاصلة والصدام — إغلاق كل مسارات السلم

في هذه المرحلة يصبح أي حديث عن إصلاح تدريجي أو مشاركة سياسية مجرد خداع.

الخطاب هنا يكرّس فكرة أن الصدام قدر محتوم، ومن لا يقاتل فهو متواطئ.

الأثر النفسي:

رفع كلفة التراجع، تسريع الانتقال إلى العمل المسلح، تحويل الشك إلى شعور بالذنب.

العنف هنا لا يُعد خيارًا بل الطريق الوحيد المتخيَّل.

المرتكز السابع

التمكين — الوعد السياسي الذي يبرر كل شيء

بعد كل هذا التصعيد يحتاج التنظيم إلى أفق معنوي يتمثل في التمكين والدولة والخلافة.

في الخطاب المتطرف التمكين يعني السيطرة بالقوة، والشرعية هي شرعية الغلبة، والدولة كيان أمني لا عقد اجتماعي.

الوظيفة التعبوية:

منح معنى للتضحيات وتبرير القسوة كمرحلة انتقالية.

الخلافة الداعشية:

حين أعلن داعش دولته تحول القتال من نشاط سري إلى دفاع عن كيان مقدس.

هذا ضاعف منسوب العنف لأن السقوط لم يعد هزيمة تنظيم بل سقوط “دولة الخلافة” في ذهن الأتباع.

كيف تُصنع القناعة؟

المشكلة ليست فقط في الأفكار بل في طريقة بناء الحجة:

اقتطاع النص من سياقه، تعميم أحكام استثنائية، إسقاط نصوص قديمة على واقع مختلف جذريًا.

بهذه الأدوات يُعاد إنتاج الفقه كمنظومة صدام لا كمنظومة حياة.

من التنظيم إلى التطرف اللامركزي:

حين تعمل الماكينة دون قيادة

التحول الأخطر اليوم هو أن هذه المرتكزات لم تعد حكرًا على تنظيمات مركزية، بل باتت تنتشر عبر مقاطع قصيرة وخطابات تحريضية رقمية وغرف دردشة مغلقة.

وبالتالي يمكن لشاب أن يتبنى منطق التكفير والصدام دون أي بيعة أو تدريب ميداني.

وهذا يجعل العنف أكثر عشوائية وأصعب في التنبؤ.

الذكاء الاصطناعي والسوشيال ميديا:

كيف تتسارع ماكينة التطرف؟

— خوارزميات الترشيح تميل إلى تعزيز المحتوى الصادم وربط المستخدم بمحتوى أكثر تطرفًا تدريجيًا.

هكذا ينتقل الشاب من نقد سياسي إلى خطاب ديني متشدد ثم محتوى تعبوي يبرر العنف دون أن يشعر أنه غيّر موقفه جذريًا.

— الذكاء الاصطناعي وتخصيص الخطاب:

مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن إعادة صياغة الرسائل المتطرفة بلغة أكثر نعومة، وتخصيص الخطاب حسب العمر والثقافة والاهتمامات.

بما يعني أن المرتكزات السبعة يمكن تقديمها اليوم ليس في كتيب تنظيمي بل في حوار شخصي مقنع عبر روبوت دردشة أو حساب مجهول.

من الدعاية إلى التأثير الصامت:

لم تعد كل عملية تطرف تحتاج إلى غرفة عمليات دعائية؛ يكفي محتوى معاد تدويره وسردية مظلومية.

وهكذا تنتقل ماكينة التطرف من تنظيمات إلى بيئات رقمية حاضنة للفكرة.

ماذا تكشف التجارب؟

تجارب القاعدة وداعش توضح أن التنظيم قد يُهزم عسكريًا، لكن المرتكزات الفكرية تظل قابلة لإعادة التكيف.

وعلى جانب آخر، البيئة الرقمية اليوم تمنحها سرعة وانتشارًا غير مسبوقين.

المشكلة إذن ليست فقط في البنية التنظيمية بل في المنظومة الفكرية والسردية القابلة للتكرار.

أين تبدأ المواجهة الحقيقية؟

التطرف لا يبدأ من السلاح بل من فكرة صغيرة تُزرع بهدوء في ذهن يبحث عن معنى وعدالة وانتماء.

وإذا لم تُكسر السلسلة الفكرية في بدايتها فستظل ماكينة التطرف قادرة على إنتاج عنف جديد بأسماء مختلفة وشعارات مختلفة لكن بالعقلية نفسها.

إذن المعركة اليوم ليست فقط على الأرض بل في فضاء المعنى والتأويل واللغة، وهناك تحديدًا يجب أن تبدأ المواجهة طويلة المدى.