الإثنين، 12 يناير 2026 09:14 مساءً

15
لم تكن الحروب الصليبية التي اندلعت في أواخر القرن الحادي عشر مجرد حملات عسكرية بين الشرق والغرب، بل شكّلت نموذجًا مبكرًا وخطيرًا لتسييس الدين وتوظيفه في الصراع السياسي. فقد نجحت الكنيسة الغربية آنذاك في تحويل الحرب إلى «واجب ديني»، وربطت بين القتال والخلاص، لتُضفي على العنف شرعية روحية وتُسقط عنه أي مساءلة أخلاقية. هذا النموذج لم ينتهِ بانتهاء الحروب الصليبية، بل أعاد إنتاج نفسه عبر التاريخ بصور جديدة، كان أبرزها في العصر الحديث ما يُعرف بالصهيونية المسيحية.
ففي أوروبا العصور الوسطى، وجدت الكنيسة في الحروب الصليبية وسيلة لتوحيد الداخل الأوروبي المنقسم، وتفريغ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في صراع خارجي.
وعلى الرغم من الفشل العسكري للحملات الصليبية، فإن آثارها الفكرية والثقافية ظلّت حاضرة في الوعي الغربي. فقد استمر تصوير الشرق بوصفه فضاءً يجب إخضاعه أو «تمدينه»، وهو ما مهّد لاحقًا لظهور المشروع الاستعماري الأوروبي في القرنين التاسع عشر والعشرين. وهكذا تحوّلت الصليبية من سيفٍ مرفوع إلى خطاب ثقافي وسياسي ناعم، لكنّه لا يقل خطورة.
ومع حركة الإصلاح الديني البروتستانتي، حدث تحوّل جذري في التعامل مع النصوص المقدسة، حيث أُعيد التركيز على العهد القديم والنبوءات التوراتية. ومن هنا ظهرت تأويلات ترى في عودة اليهود إلى فلسطين شرطًا لعودة المسيح الثانية، وهو ما شكّل الأساس العقدي للصهيونية المسيحية. لم يكن هذا التعاطف مع اليهود نابعًا من اعتراف بمعاناتهم التاريخية، بقدر ما كان توظيفًا لهم ضمن رؤية خلاصية تخدم تصورات لاهوتية معينة.
و في العصر الحديث، وجدت الصهيونية المسيحية طريقها إلى السياسة، خاصة في بريطانيا أولًا ثم في الولايات المتحدة لاحقًا. وقد مثّل وعد بلفور عام 1917 مثالًا واضحًا على التداخل بين المعتقد الديني والمصلحة السياسية. ومع صعود التيار الإنجيلي في الولايات المتحدة، تحولت الصهيونية المسيحية إلى قوة ضغط فاعلة تؤثر في السياسة الخارجية الأمريكية، وتُبرّر الدعم المطلق لإسرائيل باعتباره «تحقيقًا للنبوءات».
وبرغم الفارق الزمني بين الحروب الصليبية والصهيونية المسيحية، فإن الجوهر واحد: توظيف النص الديني لإضفاء شرعية أخلاقية على الاحتلال والسيطرة. ففي حين رُفع الصليب سيفًا في الماضي، تُرفع اليوم التأويلات اللاهوتية غطاءً أيديولوجيًا للاستيطان والعدوان، مع تجاهل كامل لحقوق الإنسان والعدالة الدولية.
و على الرغم من اختلاف السياقات، فإن الصليبية القديمة والصهيونية المسيحية تشتركان في منطق واحد:
•احتكار تفسير النص المقدس وتبرير العنف بوصفه تنفيذًا للإرادة الإلهية، غير أن الفارق أن الصليبية القديمة كانت مباشرة وصدامية، أما الصهيونية المسيحية فهي مؤدلجة ومؤسساتية، تعمل عبر الإعلام والسياسة.
لذا، لا يكتفى في مواجهة الصهيونية المسيحية بإدانة ممارساتها السياسية فحسب، بل يستوجب تفكيك جذورها اللاهوتية والفكرية، وكشف كيف يُستعمل الدين خارج سياقه ليصبح أداة هيمنة وعنف. فالصراع في جوهره ليس صراع أديان، بل صراع على تأويل الدين، بين من يجعله رسالة عدل، ومن يحوّله إلى أيديولوجيا احتلال.





