
لا أحد يستطيع أن ينكر أن المشهد الانتخابي في مصر يعيش واحدة من أكثر لحظاته ارتباكًا منذ سنوات. فالأزمة ليست عابرة، ولا هي مجرد ارتباك في الإجراءات أو تحفظات موسمية تظهر مع كل استحقاق انتخابي. نحن أمام أزمة ممتدّة، تتجذّر كلما توسّعت الدوائر واتّسع معها الشعور بالغبن وباختلال التمثيل. ولهذا فإن طرح إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية ليس مجرد فكرة عابرة، بل ضرورة وطنية مطلوبة الآن أكثر من أي وقت مضى.
تبدأ المشكلة من لحظة حساب المقاعد على أساس الوزن السكاني المجرّد، من دون النظر إلى البعد الجغرافي وتعقيدات التوزيع العمراني داخل المركز الواحد. كأنك تتعامل مع كتلة بشرية بلا ملامح، تضعها في قالب واحد وتطلب منها إنتاج تمثيل عادل. والنتيجة – وقد رأيناها جميعًا – فجوة في التمثيل، واحتقان مناطقي، وصوت انتخابي يُهمَّش لصالح آخر أكثر قدرة على الحشد داخل دائرة مترهّلة بلا حدود واضحة.
لنفكّر ببساطة: دائرة تضم ثلاثة مقاعد، حين تُقسّم إلى دوائر أصغر وأكثر تجانسًا، لكل منها وزنها النسبي وجغرافيتها المشتركة، فإننا نضمن تمثيلًا طبيعيًا لمجموعات سكانية متقاربة في مصالحها وهويتها الاجتماعية. عندها يصبح التنافس عادلًا، وتأتي النتيجة بلا خصومة، بل تعيد إنتاج السياسة كمساحة تلاقٍ لا صراع.
المزعج أن ما يجري الآن تحت السطح ينذر بما هو أخطر من مجرد سوء توزيع. هناك مناطق كاملة تُقصى فعليًا من التمثيل رغم ثقلها الانتخابي الواضح. وأي نظام انتخابي يسمح باستمرار هذا الإقصاء هو نظام يفتح الباب أمام مستقبل مشحون بما لا نحتاجه من اضطرابات وصراعات صامتة.
وإذا أُعيد تضييق الدوائر، سنجد أن النائب يصبح أكثر قدرة على أداء دوره، ليس فقط رقابيًا وتشريعيًا، بل حتى في الملفات الخدمية التي تتطلب معرفة دقيقة بتفاصيل المجتمع المحلي. فالنائب الذي يعرف ناسه، ويمشي في شوارعه، ويقرأ احتياجاتها جيدًا، ليس كالنائب التائه في دائرة واسعة لا يستطيع تغطيتها لا وقتًا ولا جهدًا.
إن الدستور ذاته لم يترك المسألة للهوى، بل وضع نصًا واضحًا وصريحًا في المادة (102) يشير إلى ضرورة مراعاة التمثيل العادل للسكان والمحافظات، والتمثيل المتكافئ للناخبين. والسؤال هنا: هل الوضع القائم يحقق هذا التمثيل؟ أم أننا نغض الطرف عن اختلال واضح يتعارض مع روح النص ومع مقتضيات العدالة الانتخابية؟
قد يقول البعض إن تضييق الدوائر يفرض ضغوطًا على أطراف مختلفة داخل العملية الانتخابية، والإجابة البسيطة: نعم، قد يفرض ضغوطًا، لكنه النوع الإيجابي من الضغوط، تلك التي تدفع نحو الإصلاح، لا التي تعطل أو تجمّد. فنحن ندفع ثمنًا كبيرًا الآن من دون أن ندركه: ثمن غياب التمثيل الدقيق، وثمن الاحتقان الذي يتراكم عامًا بعد عام.
إن إعادة تقسيم الدوائر ليست ترفًا، بل هي شرط لعدالة انتخابية حقيقية، وخطوة ضرورية إذا أردنا برلمانًا يعكس مصر كما هي، لا كما تُرسم خارطة دوائرها على الورق.
إن لم نتحرك الآن، فسنظل نعيد إنتاج الأزمة ذاتها في كل استحقاق، بينما تبقى المشكلة الحقيقية بلا حل.





