
يعيش العالم اليوم عصرًا يموج بالأحداث المتسارعة والتكنولوجيا والتطور الهائل، وهو ما يفرض على الدول ضرورة مواكبة هذا التقدم وملاحقة المجتمعات الأخرى في سباق المعرفة. وفي الوقت الذي تبذل فيه الدولة بكل مؤسساتها جهودًا حثيثة للتحرك نحو التحول الرقمي وإعداد كوادر وسفراء في مختلف المجالات، نجد من يحاول طمس تلك المجهودات وإبقاء الواقع وكأننا لم ندخل بعد عصر 2025.
هذا التحول لم يكن ليحدث بدون معرفة وتعلم وتدريب واكتساب للمهارات، وهي الجهود التي تقودها الدولة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي للنهوض بالمجتمع وإحداث طفرة تنموية في مجالات متعددة. غير أن نجاح هذا المشروع الوطني يستلزم وجود أيادٍ مساندة تشارك الدولة لتحقيق التنمية، وهو ما تعمل عليه مؤسسات الدولة عبر إشراك مؤسسات المجتمع المختلفة.
وهنا لن نتوقف أمام ما قدمته الدولة من مبادرات رئاسية استفاد منها جميع فئات الشعب، ولن نتحدث عن التمكين الحقيقي الذي حصلت عليه الفئات المهمشة من شباب ونساء وذوي احتياجات خاصة، سواء في دوائر صنع القرار أو في التمكين السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ولكن نقف أمام نقطة محورية تتعلق مباشرة بجوهر العملية الديمقراطية ودور الأحزاب السياسية، ففي وقت تتشابك فيه الخيوط بين السياسة والمجتمع وتبرز أهمية التمثيل الذي يعبر عن إرادة الشعب وصوت الناخب، تبرز الأمية الانتخابية بوصفها تحديًا جوهريًا يواجه الأنظمة الديمقراطية.
ولا تقتصر هذه الأمية على عدم معرفة كيفية الإدلاء بالصوت، بل تمتد إلى عدم فهم العملية الديمقراطية ذاتها، من برامج المرشحين إلى آليات المساءلة. وهنا يظهر السؤال: كيف نصنع ناخبًا واعيًا قادرًا على اتخاذ قرار يخدم الصالح العام ويمثله فعلًا داخل البرلمان؟
للأحزاب دور رئيسي في عملية محو الأمية الانتخابية، فهي عملية توعوية شاملة تهدف إلى تمكين المواطنين من فهم النظام الانتخابي وآليات التصويت، وتحليل البرامج الانتخابية، وتمييز الشعارات عن الوعود الحقيقية، وإدراك حقوقهم ومسؤولياتهم كشركاء في صنع القرار، فضلًا عن التعرف على أدوات الرقابة على أداء المنتخبين بعد التصويت.
كما يمثل محو الأمية الانتخابية درعًا ضد التضليل، يحصّن الناخب من الخطاب العاطفي والإعلام الموجَّه، ويعزز التمثيل الحقيقي القائم على اختيار الكفاءات التي تعبر عن احتياجات المجتمع لا المصالح الضيقة التي تهدر حقوق الناخب وموارد الدولة. وهو يسهم كذلك في بناء الثقة بالمؤسسات وتقليل نسب المقاطعة الانتخابية عبر إثبات فاعلية المشاركة.
وتجارب دولية عديدة تبرهن على أهمية هذا النهج، مثل السويد التي أدرجت التربية الانتخابية داخل مناهج المدارس منذ سن 12 عامًا، وكوريا الجنوبية التي أطلقت معسكرات “الناخب الذكي” لطلاب الجامعات بمحاكاة كاملة للعملية الانتخابية، بالإضافة إلى تونس التي نظمت حملات “شوفهم صلحوا فين” لمتابعة أداء النواب بعد انتهاء الانتخابات.
وتتعدد الآليات التي يمكن اعتمادها لمحو الأمية الانتخابية، ومنها التعليم المؤسسي عبر تدريس وحدات عن الدستور والحوكمة، وإنشاء منصات تفاعلية وتطبيقات مبسطة تقدم معلومات دقيقة عن المرشحين وتقيم وعودهم السابقة، وإقامة شراكات مجتمعية عبر جمعيات محلية لتنظيم حوارات بين الناخبين والمرشحين، إلى جانب إعلام مسؤول يطرح تحليلات موضوعية ويركز على المحتوى لا الأشخاص.
ختامًا، فإن محو الأمية الانتخابية ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة لحماية جوهر الديمقراطية من التحول إلى طقس شكلي. إنها عملية ممتدة تبدأ بتعليم الطفل حقوقه ولا تنتهي بمحاسبة المسؤول. وعندما يتحول المواطن من متفرج إلى فاعل، نكون قد وضعنا اللبنة الأولى لمجتمع يصوغ مستقبله بإرادة أبنائه الواعية.





