الإثنين، 29 سبتمبر 2025 01:51 صباحًا

15
في كل مجتمع يمرّ بأزمات اقتصادية أو اجتماعية، تسهل الإشارة إلى “الباعة الجائلين” كرمز للعشوائية، وكأنهم أصل الفوضى، لا نتاجها. يتحدث معظم الخطابات عن تشويه المظهر العام، احتلال الأرصفة، كسر القانون… بينما يغضّون الطرف عن الخطر الأكبر، والتهديد الأخطر: الساسة الجائلون.
هؤلاء لا يقفون على الرصيف، بل يتنقّلون بين الأحزاب والبرلمانات والفضائيات والولاءات، حاملين بضاعتهم: المواقف حسب الطلب، والآراء القابلة للتعديل، والمبادئ المؤقتة.
السياسي الجائل هو ذاك الذي:
•يبدأ حياته مدافعًا عن فكرة، ثم يبيعها حين تغيّر الريح اتجاهها.
•يرفع شعار المعارضة حين تكون المعارضة مدفوعة إعلاميًا، ثم يتحول إلى صوت النظام حين تتبدل المصالح.
•يبيع موقفه لا في السوق، بل على المنصات السياسية، في صفقات لا يراها الشعب لكنها تُكلّفه كثيرًا.
السياسي الجائل لا يُقيم في مشروع، ولا ينتمي إلى رؤية، بل هو خارج التصنيف الفكري، وداخل كل صفقة محتملة.
ياعزيزي البائع الجائل بريء… والسياسي الجائل مُدان، فقد يشوّه البائع الجائل وجه شارع… لكن السياسي الجائل يُشوّه وجه وطن.
قد يكسر البائع نظام المرور… لكن السياسي الجائل يكسر أعمدة الوعي الوطني، ويُفسد العلاقة بين المواطن والدولة.
الأول يصرخ ليأكل، والثاني يهمس ليبيع موقفًا في الظلام.
هؤلاء خطر على السياسة نفسها
•هم من جعلوا الشباب يفقدون الثقة في صناديق الاقتراع.
•وهم من حوّلوا العمل السياسي إلى سلعة، والنقاش الوطني إلى استعراض.
•وهم من غيّبوا الفارق بين المعارضة الحقيقية والتصفيق المشروط، بين الرأي والصفقة، بين السياسي والممثل.
وجودهم يعطل الإصلاح الحقيقي، لأنهم يحتلّون المساحات التي يجب أن يشغلها أصحاب الكفاءة والضمير.
اذن ما الحل؟
الحل في بناء جمهورية وعي سياسي، ليس المطلوب إقصاء أحد، بل إعادة تعريف السياسة كخدمة عامة لا كسبوبة متنقلة.
يجب أن نتحوّل من ثقافة “الرمز” إلى ثقافة “النتيجة”، وأن نُقيّم السياسي بما ينجز، لا بما يصرّح.
فالمجتمع لا ينهض إلا إذا أدار ظهره لمن “يتجوّل بمواقفه”، وفتح أبوابه لمن يملك مشروعًا واضحًا وشجاعة الثبات.
ختاماً
الذي يبيع خضاره على الرصيف أقل خطرًا ممن يبيع مبادئه في البرلمان.
فـ”البائع الجائل” عرض لخلل اقتصادي… أما “السياسي الجائل” فسبب لخلل وطني شامل.





