
أبدأ معكم من لدن جورج سانتايانا، وبعبارته البليغة: “أولئك الذين لا يستطيعون تذكّر الماضي محكومٌ عليهم بتكراره”.
وبما أننا طيلة حياتنا أمام خيارين: إما أسوأ ما في الحاضر، أو استدعاء الماضي دون التعلم من تجاربه السابقة… فدعوني أقول لكم إن سانتايانا أكّد أن تجاهل التاريخ ليس مجرد جهل، بل دعوة لتكرار الكارثة.
أتابع مجريات الأحداث داخل وزارة الثقافة، وجولات الوزير، وأقرأ من العناوين ما لا أجد له متناً ر ى رر رىر بحثت بين السطور.
أجد بعض المثقفين يشيدون بأشخاص كانوا “ذات يوم” ينتقدونهم، وكأن “لعنة الخواجة” أصابتهم بعد رحيل «البوب»، كما كانوا يقولون.
أنا أفهم ذلك جيدًا، وأعرف أن المصلحة تتطلب ذلك.
فهناك مئات، بل آلاف الكتب مكدّسة في الطوابير، وهناك مئات الشباب تلتهم أرواحهم دور النشر الخاصة، وهؤلاء يُطبع لهم ويُروَّج في مشاريع أشبه بـ”الفنكوش”.
فبعضهم كُتّاب «تيك أواي»، وبعضهم “أشباح في المدينة”، يعيدون أرشفة التاريخ، وعرض تجاربه السابقة مع تغيير المسميات.
هذا يُكرّم ذاك، وذاك يُشيد بهذا…
ويواصل الجمهور مشاهدة العرض، لا من أجل المتعة، بل لعيش لحظة انتشاء “كشف الخداع”، وظنّ المخادع أن الجمهور حفنة من الأغبياء.
كنت قد أجريتُ في 11 أكتوبر 2011 حوارًا بجريدة «الري» الكويتية مع د. أحمد مجاهد، بعد فشل المعرض العربي للكتاب،
وحينها أكّد أنه غير مسؤول عن ذلك الفشل، وأن الهيئة لا علاقة لها به، وأنه فقط مسؤول عن معرض فيصل “الرمضاني”.
«مجاهد»، الذي انتقل من رئاسة «قصور الثقافة» بعد الثورة، واستقبله موظفو هيئة الكتاب بمظاهرة احتجاجًا على توليه الهيئة،
أكد وقتها أن المعرض سيكون مختلفًا تمامًا احتفاءً بمرور عام على ثورة يناير، ونفى أي علاقة له بالحزب الوطني.
وكان بعض المثقفين قد رصدوا أمر التحول، كما رصدت صفحات “فيسبوك” تحول الكثيرين،
مع أن الأمر، كما قال «مجاهد»، ليس فيه ما يشين، فالرجل لم يكن عضوًا في الحزب الوطني،
ولم تأتِ به حرم الرئيس السابق لرئاسة قصور الثقافة رغمًا عن أنف فاروق حسني، كما رُوّج،
وكل ما في الأمر أنه كان في لجنة متابعة تنفيذ البرنامج الانتخابي لرئيس الجمهورية السابق خلال الفترة من 2005 حتى 2011.
لا عليك مما قيل، فالأمور أبسط من ذلك بكثير،
المهم كفاءة المسؤول، ونجاح تجربة المعرض، التي ربما تكون الفرصة الأخيرة قبل التغيير.
آه يا صاح… “تذكّرت موقفًا”،
سأُخبرك به، لكن عليّ أولًا أن أحكي لك عن حكاية، يا «صاح».
وكان أحد الأصدقاء قد سألني ذات مرة: لماذا أكتب “يا صاح”؟
فقلت له: لأنني إما أقصد ذلك الرجل كثير الصياح بـ”الحرف” دون جدوى، يفتعل معارك ثم لا يُكملها، يخطب ود الكلمة،
وحينما تعطيه الحياة سطرًا، يبيعها في سوق “الجواري”… ربما بـ”عَشوة”.
هذه واحدة، أما الآخر، فأنا أحذف “الباء”، لأن من أمامي لم يكتسب بعد صفات “الصاحب” كاملة، فأقتطع حرفًا مقابل ما ينقصه.
فإن اكتسبها، بات “صاحب”، وإن زاد فضله، بات “صاحبي”.
ولا عيب في تصحيح المواقف…
قالوها هكذا بعد كل ثورة! لم يُسمّوها “تناقضًا”…
حتى أولئك الذين هاجموا مصر لسنوات، ثم عادوا يُمجّدون بها وبـرئيسها، لم يقولوا “تناقضًا”، بل قالوا: “تصحيح المواقف”.
وفي محاولات مضنية للبحث عن الفرق بين المعنيين: “تصحيح الموقف” و”التناقض”،
رأيت مثالًا حيًّا بجانب ما سقناه من أمثلة كثيرة في خيمة الثقافة والإبداع.
في البدء كانت الثورة،
وكانت الكلمةُ حرّة
وقال الشهداء: لا تبكوا،
فنحن الأحياءُ في وجدانكم
وكانت الدماءُ حبرًا،
كُتِبَت به الأيادي سفرَ الحرية.
وجاء الفجرُ أخيرًا،
فأزهرت الساحاتُ بالضحكات.
هذه أبيات من قصيدة “إنجيل الثورة وقرآنها” للشاعر الكبير حسن طلب،
وكان د. مجاهد قد انتقدها في جريدة «أخبار الأدب» ووصفها بأنها ضعيفة،
ثم عاد وطبع الديوان في الهيئة العامة للكتاب.
هذا بالضبط تعريف “تصحيح الموقف”، أما “التناقض”، فلا سمح الله، لم أعثر على موقف واحد به “تناقض”،
فحتى الإعلاميين والصحفيين الذين يختارهم الوزير أو يُحابيهم، وهم يدافعون ويروّجون بعد “الوفاق”،
كل هذا يقع في حدود “تصحيح الموقف”.
آه… ولكم من آهاتٍ مكبوتة، يا صاح…
نسيت أن أقول لك إن الدكتور أحمد مجاهد، رئيس الهيئة العامة المصرية للكتاب،
الذي طبع لحسن طلب “الديوان”، كان قد رفع قضية سبّ وقذف على كلٍّ من رئيس تحرير جريدة الأهرام بصفته،
والشاعر حسن طلب، بسبب نشر الجريدة لمقال للشاعر يتضمن “سبًّا وقذفًا”، ونُشر بتاريخ 25 نوفمبر 2012.
وتساءل “مجاهد” في بيان صحفي أصدرته الهيئة حينها:
“كيف يسمح الأهرام العريق لكاتب مثل هذا أن يُحوّل صفحات الجريدة إلى مشتمة؟
فهذه ليست قضية السب والقذف الأولى التي تُرفع على الجريدة بسبب هذا الكاتب.”
كما تساءل مجاهد حينها: “لمصلحة من تتحوّل صفحات الأهرام الثقافية إلى مثل هذا المستوى من الحديث؟”
واختتمت مقالي بما كتبه د. خالد أبو الليل عن الدكتور أحمد مجاهد:
“إنه قامة كبيرة، وصاحب خبرة طويلة في المجال الثقافي،
وجميع أعضاء اللجنة العليا للمعرض قامات كبيرة نعتز بها.”
وغريبة هي الصدف…
فـ«مجاهد» كان قد سبق أن قدم شهادته ضد محاولة اختراق الإخوان لمعرض الكتاب عام 2013، للدكتور محمد الباز.
وأتذكر عنوانًا لم تمر عليه سوى أسابيع قليلة، حملته إحدى الإصدارات:
“الكتاب الكارثي.. تزوير تاريخ مصر لصالح الإخوان – بتوقيع خالد أبو الليل”
كل هذا ليس “تناقضًا”، بل “تصحيح موقف” يفعله أحيانًا الوزير، وغير الوزير من البشر.
أسائل يا قوم، ماذا دهاكم؟
يقولون: همهمة كالثغاء
أرى وسط القوم شيخًا جليلاً،
جميل الثياب، جليّ الحياء
أسائل يا شيخ، أين المراد؟
إلى أين نمضي بحق السماء؟





