
منذ طفولته حمل صلاح هاشم حلمًا مختلفًا؛ لم يكن هدفه مجرد جمع المال أو البحث عن وجاهة اجتماعية، بل كان يسعى لتحقيق قيمة أكبر، وهي توفير عشرات فرص العمل لأقاربه ومعارفه، وبناء كيان يترك بصمة في قريته ومحافظته.
صلاح هاشم، ابن قرية أصفون المطاعنة، تخرّج في جامعة الأزهر، ثم عُيّن في هندسة ريّ إسنا. لكن الوظيفة الحكومية، رغم استقرارها، لم تلبِّ طموحه. تركها وسط دهشة الجميع: هل هناك من يتمرد على وظيفة حكومية آمنة في سبيل حلم غير مضمون؟
خلال زيارة لمحافظة الدقهلية، لفتت انتباهه ماكينة لتصنيع الأعلاف، فالتقط الفكرة بعقله، وعاد لينفذها. وكانت الانطلاقة الحقيقية بعد شراكته مع ابن عمه محمد أبو الذهب، الذي يُعد القاطرة الدافعة لمسيرة النجاح. لم يكن محمد مجرد شريك، بل هو النصف الثاني من العقل المكمل، متفانٍ يعمل في صمت بعيدًا عن الأضواء، لكنه حاضر بقوة في كل خطوة. حمل عناء الصحراء جنبًا إلى جنب، وكان الداعم الأول في لحظات التعثر، وشريك الحلم في لحظات الانتصار. ومن دون هذا التكامل بين عقلين وجهدَين، ما كانت قصة النجاح لتكتمل بالصورة التي نراها اليوم.
بدأت الرحلة نحو عالم صناعة وتربية الدواجن بأسلوب علمي مدروس. لم يكتفيا بالمشروعات الصغيرة، بل اقتحما الوادي الأصفر (الصحراء) وأقاما مزرعة هناك، لتبدأ مرحلة جديدة من الكفاح. لم تكن المهمة سهلة؛ فالصحراء قاسية والظروف طبيعية موحشة، لكن الحلم كان أكبر من كل التحديات.
في البداية تكبد المشروع خسائر كبيرة دفعت الشريكين للتفكير في التراجع، لكنهما صمدا خمس سنوات حتى نجحت التجربة. وبعد تقنين الأرض وسداد رسوم الجدية، تحولت المزرعة، على مساحة 50 فدانًا، إلى محطة كبرى لإنتاج الدواجن تغطي احتياجات محافظة الأقصر وتمثل رافدًا اقتصاديًا مهمًا في الصعيد.
اليوم أصبح المشروع يضم نحو 500 عامل، برواتب تفوق ما قررته الدولة، إضافة إلى مزايا عينية ورعاية اجتماعية.
صلاح هاشم يؤكد أن الصعوبات كانت دروسًا زادته إصرارًا، مشيرًا إلى تقديره للدعم الحكومي من محافظ الأقصر المهندس محمد عبد المطلب، ووكيلي وزارتي التموين والزراعة، وكذلك نائب الشورى وائل زكريا الأمير، الذي لا يتأخر في مد يد العون عند الحاجة.
ولم ينسَ صلاح دوره المجتمعي؛ إذ أسس مؤسسة جنوب الوادي للتنمية المجتمعية، وكان أول نشاط لها بالتعاون مع الأجهزة المعنية إقامة ندوة عن أخطار المخدرات، لتبدأ المؤسسة مسيرة جديدة في خدمة المجتمع. وتمتلك المؤسسة 5 أفدنة زُرعت بالنخيل، يذهب عائدها بالكامل إلى الأيتام.





