Thursday، 05 March 202611:51 PM
آراء حرة

إبراهيم خالد يكتب: الصعيد بين قبضة “العائلات” وسُـلطة البرلمان

الخميس، 28 أغسطس 2025 04:24 مساءً
إبراهيم خالد يكتب: الصعيد بين قبضة “العائلات” وسُـلطة البرلمان
إبراهيم خالد
15

ما يجري اليوم في محافظات الصعيد ليس مجرد حراك انتخابي عادي، بل هو مؤشر خطير على تحولات عميقة قد تعصف بمستقبل الحياة السياسية في مصر. فقد أصبحت الاجتماعات التي تُعقد داخل العائلات لاختيار مرشحين لمجلس النواب ظاهرة لافتة، وكأن الانتخابات تحولت إلى ساحة صراع قبلي، لا إلى منافسة سياسية تعتمد على البرامج والرؤى.

في السابق، كنا ننتقد تدخل المنابر والساحات الدينية في السياسة، لكن ما نراه الآن أشد خطورة، إذ توغلت العصبية القبلية بثوب جديد، مدعومة أحيانًا بالساحات الدينية والمتاجرة بها. تتشكل تحالفات عائلية مُحكمة، وتُرسم خطوط حمراء تحدد من يترشح ومن ينسحب، وكأننا أمام قوانين غير مكتوبة تفرضها الأعراف لا الدستور.

الخطر لا يكمن في رغبة العائلات في تمثيل نفسها، فهذا حق لا جدال فيه، بل في طريقة إدارة هذه العملية، التي تُقاس فيها قوة المرشح بعدد أفراد عائلته، وحجم ثروته، وما يمتلكه من نفوذ، وربما من سلاح! فكيف يمكن أن تتفوق عائلة على أخرى في هذا السباق سوى بتعزيز العصبية أكثر، ما يفتح الباب أمام توترات وصراعات تهدد السلم الاجتماعي؟

الأخطر أن هذه الثقافة قد تتحول إلى واقع دائم، لتنشأ برلمانات لا تمثل إرادة المواطنين بقدر ما تعكس خرائط النفوذ القبلي. وإذا استمر هذا النهج، فلن تكون الانتخابات القادمة منافسة سياسية، بل منافسة قبلية عنوانها المال والسلاح لا الفكر والبرامج.

المسؤولية هنا مشتركة، وعلى الدولة والأحزاب والمجتمع المدني أن يتحركوا قبل فوات الأوان. المطلوب ليس حرمان الناس من الترشح، بل إعادة تصحيح المفاهيم، وتوعية المواطنين بأن البرلمان ليس امتدادًا للساحة القبلية، بل مؤسسة تشريعية هدفها خدمة الوطن لا خدمة العائلة. كما يجب وضع ضوابط صارمة تمنع استغلال العصبيات في الانتخابات، وإلا فنحن نمهد الطريق إلى برلمان تتحكم فيه القوة لا الكفاءة.

ما يحدث اليوم ليس مجرد ظاهرة انتخابية، بل قنبلة موقوتة تهدد استقرار المجتمع قبل السياسة. الصعيد بحاجة إلى صوت العقل، لا صوت العائلة. فإما أن نواجه هذه الظاهرة بالحكمة والوعي، وإما أن نتركها تكبر حتى تصبح كارثة لا علاج لها.