
لا شك أن الاضطلاع بالمسؤولية لا بد أن يقوم على قيم وطنية وأخلاقية، مستمدة من تراثنا الثقافي العريق، وهذا ما يُميز كتالوج المواطن المصري؛ حيث أثبت التاريخ أن القيم الراسخة هي التي تصمد في لحظات الخطر، وتلتحم بها الجماهير كجسر تعبر عليه نحو مستقبل أفضل.
لكن هذا الكتالوج، الذي بُني عبر قرون من التراكم الحضاري والوعي الجمعي، يواجه اليوم تحديًا جديدًا يتمثل في سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. لقد أصبحت هذه الوسائل، رغم مزاياها، ساحة مفتوحة لصناعة الترندات الزائفة، ونشر الشائعات، والترويج لقيم وسلوكيات غريبة عن المجتمع المصري.
في ظل هذا العالم الرقمي المفتوح، تسللت قيم دخيلة إلى الأسرة المصرية أحيانًا بغفلة من الآباء أو انبهار الأبناء، وتحوّلت بعض المنصات إلى أدوات حرب ناعمة، ضمن حروب الجيل الرابع والخامس، التي لا تُطلق فيها رصاصة واحدة، بل تُزرع فيها أفكار تهدم المجتمع من الداخل.
ومن هنا، تصبح المقولة الشعبية “المصري مالوش كتالوج” أكثر خطورة مما تبدو عليه، فهي ليست مجرد نكتة بل قد تُستخدم لتبرير التخبط القيمي والانفلات السلوكي الناتج عن الانغماس في عوالم افتراضية لا تعكس الحقيقة ولا تمثل الهوية.
لكن الحقيقة التي يُثبتها التاريخ، هي أن المصري له كتالوجه الخاص، له ذاكرة جمعية، وثقافة صلبة، ووعي متجذر. هذا الكتالوج هو الذي مكّنه من رفض كل نبتٍ شيطاني من القيم، ومن مقاومة محاولات المسخ التي تُمارس تحت ستار “الترند” أو “الترفيه”.
غير أن الحفاظ على هذا الكتالوج لا يكون بالشعارات فقط، بل بالوعي الحقيقي، وبالتمييز بين المحتوى الهادف والهدّام، وبين التعبير الحر والتضليل الممنهج. إننا بحاجة إلى ثورة وعي رقمية، تبدأ من الفرد وتصل إلى المجتمع، لمواجهة خطر أن يتحول الرأي العام إلى رهينة لمن يملك أداة “نشر سريع” لا رقيب عليها.
ولذلك، علينا أن نُرسّخ قيمة “الفكر الوطني الصحيح” في مواجهة هذا الانفتاح الفوضوي. فالفكر الوطني المتزن هو الركيزة الأساسية التي ترفض الانغلاق، لكنها ترفض أيضًا الذوبان في الآخر، وتبني هوية متوازنة بين الأصالة والمعاصرة.
إن وسائل التواصل، حين تُستخدم بوعي، يمكن أن تكون أداة لبناء الوطن، لا لهدمه. لكن حين تُترك بلا ضابط، تتحول إلى معاول هدم تطمس القيم، وتشوّه الوعي الجمعي.
من هنا تبدأ المسؤولية: من الأسرة، من المدرسة، من الإعلام، ومن كل فرد يعرف أن المساهمة في نشر معلومة كاذبة أو دعم ترند بلا وعي، قد يكون مشاركًا – ولو دون قصد – في تشويه كتالوج المصري الذي بُني عبر آلاف السنين.
نحتاج إلى ثقافة جديدة تنتقل من العالم الافتراضي إلى الواقع، ثقافة تبني لا تهدم، تنقد لا تُشوّه، تحلل لا تُهيّج. هذه هي مسؤوليتنا جميعًا… أن نحمي كتالوجنا الوطني من التشويش الرقمي، ونرسخ وعيًا قادرًا على التمييز، ومناعة فكرية ترفض الانسياق وراء “اللايكات” و”الترندات” العابرة.
وهكذا، نُعيد التأكيد: نحن شعب له كتالوج… لكن فهمه يتطلب وعيًا، وليس مجرد متابعة لما هو شائع. فالتاريخ يشهد، وما زال يُبرهن، أن الوعي المصري لا يُقهر… فقط إن وجد من يُحسن توجيهه.





