Friday، 06 March 202611:41 AM
آراء حرة

إبراهيم خالد يكتب: مصر بين أمجاد الماضي وتحديات الحاضر والمستقبل

الخميس، 14 أغسطس 2025 03:01 مساءً
إبراهيم خالد يكتب: مصر بين أمجاد الماضي وتحديات الحاضر والمستقبل
إبراهيم خالد – كاتب صحفي
15

حين دخل الخليفة العباسي المأمون إلى مصر وأطلق مقولته الشهيرة عن فرعون موسى، رد عليه سعيد بن عفير – المؤرخ والمحدّث البارز في القرن الثالث الهجري – بكلمات تحمل في طياتها حكمة التاريخ: “وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ…”، مذكّراً بأن ما يراه المأمون من عظمة، إنما هو بقايا أرض كانت يوماً ما أعظم بلدان الأرض، تفيض خيراً وماءً وبساتين، حتى أن النيل كان يمر تحت البيوت والجسور المحكمة، والفاكهة تتساقط على رؤوس الناس من كثرة الأشجار.

هذه الصورة الذهبية لمصر، كما رواها سعيد، تكشف لنا أن التاريخ ليس مجرد حكايات، بل مرآة نقيس عليها واقعنا. اليوم، ونحن في القرن الحادي والعشرين، لا تزال مصر تملك النيل، ولا تزال أراضيها الخصبة قادرة على الإنتاج، لكن الفجوة بين ما كانت عليه وما أصبحت عليه واضحة للعيان.

فالمشكلات التي تواجه مصر الآن تتلخص في ثلاثة محاور رئيسية: المياه، الزراعة، والإدارة.

المياه:

النيل الذي كان شريان حياة مصر مهدد بزيادة الضغط عليه نتيجة النمو السكاني وتغير المناخ ومشروعات السدود في دول المنبع. بينما في الماضي، كان المصريون يتحكمون في المياه عبر القناطر والجسور، نجد أن اليوم إدارة الموارد المائية تواجه تحديات في التخزين والتوزيع والحد من الفاقد.

الزراعة:

كانت البساتين تمتد من أسوان إلى رشيد، واليوم تقلصت الرقعة الزراعية بسبب التوسع العمراني العشوائي وتدهور التربة، فضلاً عن الاعتماد المفرط على المحاصيل التقليدية التي لا تحقق أعلى عائد اقتصادي.

الإدارة:

في الماضي كان التخطيط الزراعي والهندسي جزءاً من منظومة حكم تهدف للاستفادة القصوى من الأرض والماء. أما الآن، فغياب التنسيق بين الوزارات، وضعف الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية، يعيقان أي نهضة حقيقية.

المقارنة قاسية، بين مصر التي كانت الفاكهة تتساقط فيها بلا جهد، ومصر التي أصبحت تستورد جزءاً كبيراً من غذائها. لكن إدراك هذه الفجوة ليس دعوة لليأس، بل جرس إنذار للعمل.

الحلول يمكن أن تبدأ من استعادة روح إدارة الموارد كما فعل أجدادنا:

1. إصلاح منظومة الري: التحول التدريجي إلى الري بالتنقيط والرش، وتطوير شبكات القنوات لمنع الفاقد.

2. إعادة تشجير ضفاف النيل: ليس فقط لجمال المنظر أو الظل، بل لحماية التربة وتحسين المناخ المحلي.

3. الاستثمار في المحاصيل عالية القيمة: لتقليل فاتورة الاستيراد وزيادة دخل الفلاحين.

4. التخطيط العمراني المنضبط: وقف الزحف العمراني على الأراضي الزراعية، والتوسع في المدن الجديدة.

5. التكنولوجيا الزراعية: إدخال الزراعة الذكية المعتمدة على البيانات والأقمار الصناعية.

التاريخ يعلمنا أن الطغيان والإهمال قادران على تحويل الجنة إلى صحراء، لكن الإدارة الحكيمة والعلم قادرة على عكس المسار. مصر اليوم ليست كما كانت في عصر الفراعنة أو المأمون، لكن النيل لا يزال هنا، والأرض لا تزال هنا، والشعب لا يزال قادراً على البناء إذا وجد الرؤية والقيادة والإرادة.

ختامًا، مصر لا تحتاج إلى معجزة، بل إلى عقلية تعتبر كل قطرة ماء وكل شبر أرض أمانة للأجيال القادمة. حينها، يمكن أن تعود “جنة لا مثيل لها” .
عاشت مصر حرة، مستقلة.