
تَمُر مصر بمرحلة دقيقة في ظل تحديات إقليمية كبيرة، مثل أزمة سد النهضة، وتوترات الحدود، والتغيرات في موازين القوى في المنطقة. وهذه التحديات لا يمكن مواجهتها من قِبَل الحكومة أو مؤسسات الدولة وحدها، بل تتطلب مشاركة فعالة من جميع القوى الوطنية، وعلى رأسها المعارضة. لكن لكي تلعب المعارضة هذا الدور، لا بد من مراجعة شاملة لأدائها، وممارسة نقد ذاتي حقيقي يعيد لها الثقة والمصداقية.
الواقع أن المعارضة المصرية فقدت في السنوات الأخيرة كثيرًا من زخمها. بعض رموزها انسحبوا من المشهد، وآخرون اتجهوا إلى الخارج واكتفوا بالتصريحات من بعيد، وهناك من انشغل بصراعات داخلية، أو تمسك بمواقف متطرفة جعلته بعيدًا عن الناس.
الدكتور محمد البرادعي، أحد أبرز رموز المعارضة في 2011، بدأ بخطاب إصلاحي هادئ، ثم انسحب من المشهد بعد 2013، رافضًا المشاركة في المرحلة الجديدة، مما ترك فراغًا في معسكر المعارضة المعتدلة.
وعلى الطرف الآخر، نجد شخصيات مثل أيمن نور، الذي اتخذ موقفًا تصعيديًا من الخارج، ما أفقده التأثير داخل الشارع المصري، رغم ماضيه السياسي في الداخل.
أما في الداخل، فهناك وجوه مثل حمدين صباحي، الذي شارك في الانتخابات الرئاسية مرتين، لكنه اعترف بشجاعة بأخطائه في سلسلة مقالات كتبها بعنوان “نصيبي من الخطأ”، وأعتبر ذلك نوع من أنواع التَطهُر.
هذا التباين في المواقف يعكس غياب رؤية موحدة داخل المعارضة، كما يعكس ضعفًا في القدرة على فهم متطلبات المرحلة.
إن اعتراف المعارضة بأخطائها لا يعني الضعف، بل هو بداية للقوة. فالجمهور لا يثق بمن لا يعترف بأخطائه. المطلوب هو أن تقول المعارضة بوضوح: “أخطأنا هنا، وتعلمنا، وسنقدم بدائل أفضل”. لا يمكن كسب ثقة الناس بالشعارات فقط، بل بالبرامج الواقعية، والوضوح، والانحياز للمصلحة العامة.
ولا يكفي أن تقول المعارضة “لا” لكل شيء؛ بل عليها أن تقدم حلولًا عملية في قضايا مثل التعليم، والصحة، والاقتصاد.
كثير من رموز المعارضة يعيشون في فقاعة نُخبوية، بعيدًا عن هموم المواطن البسيط. والمطلوب هو النزول إلى الشارع، والاستماع، والعمل من الداخل.
الانقسام يُضعف أي قوة. على قوى المعارضة أن تجد قواسم مشتركة، وتنسق فيما بينها، بدلًا من الصراع والتخوين.
ومن جهة أخرى، على الدولة أن تفتح المجال السياسي بشكل أوسع، وتشجع معارضة وطنية جادة، لا تُصادر حق الاختلاف، بل تُقدّره ضمن إطار القانون والدستور.
في الختام، تطهير المعارضة لا يعني إقصاءها، بل إصلاحها من الداخل، لتكون قادرة على القيام بدورها كقوة رقابية وتصحيحية، لا مجرد صوت معارض لأجل المعارضة. فمصر اليوم بحاجة إلى معارضة وطنية جادة، واضحة، ومسؤولة، تضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار، وتشارك بفعالية في بناء مستقبل يليق بالشعب المصري.





