Wednesday، 04 March 202611:21 AM
آراء حرة

اللواء الدكتور رضا فرحات يكتب: وعي الشعب في صناديق الشيوخ.. قراءة في المشهد الديمقراطي المصري

الأربعاء، 16 يوليو 2025 02:56 مساءً
اللواء الدكتور رضا فرحات يكتب: وعي الشعب في صناديق الشيوخ.. قراءة في المشهد الديمقراطي المصري
اللواء الدكتور رضا فرحات
15

في قلب المشهد السياسي المصري، تطل علينا انتخابات مجلس الشيوخ 2025 كواحدة من أبرز المحطات الدستورية التي تعكس وجها حقيقيا للديمقراطية المصرية، وتجسد إدراك المواطن لدوره المحوري في صياغة مستقبل الوطن، ليس فقط عبر المشاركة، ولكن عبر الاختيار الواعي والقرار الرشيد.

إن ما نراه اليوم من تحركات حزبية، واستعدادات انتخابية، ونقاشات مجتمعية متزايدة، إنما يؤكد أن المشاركة السياسية لم تعد حكرا على النخبة أو مقتصرة على لحظات الأزمات، بل أصبحت تعبيرا حيا عن حالة من النضج السياسي العام، ونتيجة لمسار طويل من بناء الوعي، وتكريس مفاهيم الانتماء والهوية الوطنية.

لقد قطعنا شوطا كبيرا في ترسيخ دعائم الدولة الحديثة، ومؤسساتها الدستورية، منذ أن قرر الشعب المصري أن يأخذ زمام المبادرة بعد ثورتي يناير ويونيو، وأن يصوغ مستقبله بإرادته، ويحدد أدواته وأولوياته بنفسه، مستندا إلى دستور حي، وشعب واع، وقيادة سياسية اختارت أن تبني قبل أن تتكلم، وتنهض قبل أن تعد.

وهنا تبرز أهمية مجلس الشيوخ، ليس فقط بوصفه الغرفة الثانية في البرلمان المصري، بل بوصفه عقل الدولة التشريعي المتأني، الذي يفترض أن يكون ساحة لنقاش السياسات العامة، ومراجعة القوانين بعين الخبير، وتقديم رؤية متعمقة في الملفات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بعيدًا عن حسابات المعركة الانتخابية السريعة في مجلس النواب.

مجلس الشيوخ هو المكان الذي يفترض أن ينصت فيه الوطن لصوت الخبرة، وأن تتلاقى فيه المدارس الفكرية المختلفة، لصياغة منظومة تشريعية تستجيب لطموحات التنمية الشاملة، وتضمن جودة الحياة، وتحمي الثوابت الوطنية في سياق عالمي متغير لا يرحم من يتأخر.

ولعل ما يلفت النظر في التجربة المصرية الحديثة، أن المواطن بات أكثر حرصا على المشاركة، وأكثر وعيا بأهمية صوته، وهو ما لاحظناه في الاستحقاقات السابقة، ومن المتوقع أن يتجلى بقوة في انتخابات الشيوخ القادمة لقد أدرك المصريون أن صندوق الاقتراع ليس صندوقا زجاجيا يوضع في اللجان فقط، بل هو مرآة للوعي، وسلاح للمستقبل، ووسيلة لحماية الوطن من كل ما يحاك له في الغرف المظلمة.

وفي هذا السياق، تبرز القائمة الوطنية كأحد أهم أدوات التنسيق السياسي في المشهد الانتخابي الراهن، حيث تمثل نموذجا راقيا لتوحيد الصف الوطني، وتجاوز الخلافات الحزبية الضيقة من أجل تحقيق المصلحة العامة، إن هذه القائمة، التي تضم أحزابا ذات توجهات وخلفيات فكرية متنوعة، تقدم صورة مشرفة عن قدرة القوى السياسية المصرية على التوافق والعمل المشترك في سبيل بناء مؤسسات قوية ومتوازنة كما تعكس القائمة الوطنية رغبة حقيقية في تقديم مرشحين ذوي كفاءة وخبرة، قادرين على إثراء الحياة التشريعية، وتمثيل المواطن تمثيلا جادا ومسؤولا داخل مجلس الشيوخ، وهو ما يعطي الناخبين ثقة أكبر بأن هناك رؤية جماعية تبنى على أسس وطنية لا شخصية.

ولا شك أن دعوات القيادة السياسية المتكررة لتعزيز الوعي السياسي، وحث المواطنين على المشاركة، تعكس إدراكا بأن معركة البناء لا تخاض بالمعدات وحدها، بل بالعقول أيضا، وأن الجمهورية الجديدة التي نحلم بها لا تكتمل إلا ببرلمان قوي يعكس تطلعات الشعب، ويكون صوتا حقيقيا للمجتمع بكل أطيافه.

ومن هذا المنطلق، فإننا في حزب المؤتمر، وانطلاقا من مسؤوليتنا الوطنية، نرى أن الانتخابات المقبلة لمجلس الشيوخ هي محطة تأسيسية مهمة، ينبغي أن يتعامل معها الجميع على أنها فرصة لاختبار قدرة الأحزاب على تقديم كوادر حقيقية، قادرة على إثراء النقاشات التشريعية، لا مجرد أسماء تزاحم المشهد دون إضافة نوعية.

كما نؤمن أن المنافسة الحقيقية لا تكون فقط بين الأفراد، بل بين البرامج والرؤى، وبين من يمتلك مشروعا وطنيا، ومن يكتفي بالشعارات الجوفاء، إن وعي المواطن المصري لم يعد يسمح بالتلاعب أو التزييف، وهو ما ينبغي أن تدركه القوى السياسية جيدًا، وأن تتعامل مع الناخب باحترام يليق بعقله وخبراته المتراكمة.

وقد أثبتت التجارب أن المواطن قادر على التمييز، وعلى اختيار من يمثل مصالحه بحق، لا من يتاجر بها، وهو ما يجعل من كل صوت يدلي به في صناديق الشيوخ القادمة، شهادة على يقظة شعب، وعلى وعي أمة لم تعد تقبل بالعودة للوراء، أو التفريط في ما تحقق من مكتسبات.

إننا اليوم أمام لحظة فارقة، يتقاطع فيها الحلم الوطني مع أدواته الدستورية، ويتطلب الأمر من الجميع – حكومة وشعبا وأحزابا – أن يتحمل مسؤوليته كاملة، وأن يعي أن قوة الدولة لا تقاس فقط بعدد مشروعاتها، بل بصلابة مؤسساتها، وشرعية ممثليها، وجودة قراراتها.

ومن هنا، فإن المشاركة في انتخابات الشيوخ ليست فقط واجبا دستوريا، بل فعل انتماء، ورسالة إلى الداخل والخارج بأن مصر قادرة على إدارة استحقاقاتها بإرادة شعبها، لا بإملاءات أحد، وأن المواطن المصري لا يقف متفرجا، بل فاعلا ومؤثرا وشريكا في القرار.

وختاما، فإننا نراهن – كما راهن الرئيس عبد الفتاح السيسي من قبل – على وعي المصريين، وعلى قدرتهم في كل لحظة حاسمة على أن يصنعوا الفارق، ويختاروا ما ينفعهم وينفع وطنهم. فالمستقبل لا يمنح، بل يبني لبنة لبنة، وصوتا بصوت، عقلا بعقل.

وهكذا، تبقى صناديق الشيوخ مرآة لضمير الأمة، وخارطة طريق للجمهورية الجديدة التي نحلم بها جميعا.