
في زمنٍ تُقاس فيه القيمة بالإنجازات السريعة، يضيع أحيانًا ما هو أعمق وأبقى: جوهر الإنسان، وتبقى هذه القاعدة البسيطة نبراسًا لبناء الذات والمجتمع “الأخلاق قبل الموهبة، والمعرفة قبل العمل، والثقافة سلوك”.
الموهبة مهما تألّقت، إن لم تُضبط بالأخلاق، فقد تضل وتُضل. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
وهذا في وصف النبي ﷺ، قبل أن يُذكر بعظيم بلاغته أو عبقريته القيادية.
كم من موهوب سقط لأنه افتقد لميزان القيم! وقد لخّص أمير الشعراء أحمد شوقي ذلك بقوله: “وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا.” والمجتمع الذي يُقدّم الأخلاق على المهارات، يصنع أفرادًا يؤثرون في العالم دون أن يُخِلّوا به.
“العمل بلا معرفة ضرب من العبث”، هكذا عبّر جبران خليل جبران عن ضرورة الفهم قبل الفعل. وقد نبّهنا النبي ﷺ إلى هذا الترتيب حين قال:
“من يُرد الله به خيرًا يُفقّهه في الدين.” [صحيح البخاري]
فالفهم مقدَّم على العمل، والعلم أساس التكليف.
في الطب، في الهندسة، في التربية.. من يعمل بجهل قد يُلحق الأذى رغم حسن النية. والعبرة ليست فقط في المعلومات، بل في القدرة على توظيفها وقراءتها في سياقها الصحيح.
الثقافة ليست ما نردده، بل ما نُمارسه. قال طه حسين: “الثقافة هي ما يبقى بعد أن تنسى كل ما تعلمته.”، أي أنها تتجلى في التعامل اليومي، في كيفية الحوار، احترام الاختلاف، والنظام، والذوق العام.
انظر في شوارع بعض الدول المتقدمة، كيف يُترجم وعي الشعوب إلى سلوك .. احترام الطوابير، المحافظة وصون المرافق العامة، والهدوء في الأماكن المشتركة. ليست القوانين فقط من تصنع ذلك، بل الثقافة كسلوك داخلي متجذر.
إننا لا نحتاج فقط إلى مزيد من الموهوبين، بل إلى مزيد من الأخلاقيين. لا نحتاج إلى كثرة العمل، بل إلى عمل مبني على علم. ولا نحتاج إلى حفظ الثقافة، بل إلى تمثّلها في سلوكنا.
كما قال أفلاطون: “العقل بلا أخلاق هو سيف في يد مجرم.”
فلنبنِ إنسانًا قبل أن نبني إنجازًا.
عاشت مصر حرة مستقلة.





