
شكّل التصعيد الإيراني الإسرائيلي خلال الأشهر الماضية محطة مفصلية في تطور خريطة الصراعات الإقليمية بالشرق الأوسط خاصة مع انتقال المواجهة إلى ساحات غير تقليدية وتزايد التلويح بخيارات عسكرية عابرة للحدود وقد بدا لافتًا رغم ضخامة الحدث غياب الحضور الفعّال للتنظيمات الجهادية السنّية في التعليق أو التفاعل مع هذا التطور سواء من خلال تبني مواقف أيديولوجية تعبّر عن توجهها أو عبر محاولة استثمار هذا الاشتباك دعائيًا كما حدث في صراعات سابقة مثل الحرب على غزة أو الانسحاب الأمريكي من أفغانستان
يثير هذا الغياب تساؤلات بشأن قدرة التنظيمات الجهادية وعلى رأسها القاعدة وتنظيم داعش على صياغة موقف واضح من صراع تتداخل فيه الأبعاد الطائفية والسياسية والعسكرية في وقت بات فيه الخطاب الجهادي التقليدي يعاني من محدودية التكيّف مع التعقيدات الإقليمية الجديدة
معضلة الاصطفاف بين خصمين تقليديين :-
تاريخيًا شكّلت كل من إسرائيل وإيران هدفين متكررين في خطاب التنظيمات الجهادية فإسرائيل تمثل “الاحتلال الغربي”، وإيران تصنّف ضمن الأنظمة الطائفية المعادية لأهل السنّة وفق القاموس الجهادي التقليدي ومع ذلك فإن اشتباك الخصمين في مواجهة عسكرية مفتوحة يضع التنظيمات الجهادية في مأزق مزدوج
الاصطفاف إلى جانب إيران يُضعف سردية التنظيمات أمام جمهورها، أما تأييد الضربات الإسرائيلية فيُهدد مشروعها العقائدي ويُكسبها عداءً شعبيًا واسعًا، في حين أن الصمت الكامل يُفقدها قدرتها على التأثير في مشهدٍ تتسارع فيه الأحداث بشكل غير مسبوق
لقد كشف هذا الموقف المعقد عن محدودية في قدرة السردية الجهادية على التعامل مع الصراعات المركّبة التي لا تُفرز أعداءً واضحين أو جبهات نقية.
القاعدة… رهانات الحذر وحدود الخطاب
رغم أن تنظيم القاعدة كان في طليعة من صاغوا خطاب العدو المزدوج (الغرب وإيران)، فإن بيئته القيادية الحالية تفرض عليه مناورات محسوبة فقد أشارت تقارير إلى أن زعيم التنظيم الحالي سيف العدل يقيم في إيران منذ سنوات ما جعل المواقف العلنية للتنظيم تتسم بالحذر
ولم تُصدر القاعدة أي موقف صريح بشأن التصعيد الإيراني الإسرائيلي كما لم تُخصص منابرها الإعلامية الرئيسية مثل ( السحاب ) أي تغطية مباشرة للحدث. ويفسر ذلك على الأرجح بـعدة احتمالات
- التخوّف من تعريض قياداتها في إيران لأي خطر مباشر
- غياب المصلحة التعبوية الواضحة في صراع لا يملك التنظيم أدوات التأثير فيه
- انتقال تركيز التنظيم إلى الساحات الإفريقية واليمنية حيث يمتلك حواضن محلية ومرونة حركية
- هذه المعطيات تشير إلى أن القاعدة تتعامل مع الصراع من منظور أمني–تكتيكي لا أيديولوجي وتفضل عدم الانخراط في مواقف قد تفقدها توازناتها الإقليمية
داعش… غياب المبادرة رغم الخطاب العدائي
من جهته، لطالما تبنى تنظيم داعش موقفًا عدائيًا صريحًا تجاه إيران ووصمها بأنها دولة طائفية مرتدة إلا أن التنظيم لم يُصدر أي بيان رسمي يتناول التصعيد الإيراني الإسرائيلي واقتصر التفاعل على بعض القنوات غير الرسمية التابعة لولاياته في خراسان وغرب إفريقيا، والتي وصفت الطرفين بأنهما أعداء الإسلام المتنازعون على النفوذ.
ويبدو أن دوافع هذا الصمت تعود إلى عدة أسباب:
- ضعف الحضور الميداني للتنظيم في المناطق التي تشهد التصعيد سواء داخل إيران أو إسرائيل
- التحولات الاستراتيجية في أولويات التنظيم الذي يركز حاليًا على مناطق هشّة أمنيًا في إفريقيا وآسيا
- الخشية من تبعات تأييد أحد الطرفين بشكل يضر بصورة التنظيم أمام أتباعه أو الجماعات المنافسة
- تكشف هذه الحالة عن تراجع دور داعش كمُحرّك تعبوي للأحداث الكبرى وانتقاله إلى موقع التفاعل الحذر بدلًا من قيادة الخطاب الجهادي العالمي
خطاب “الحياد العدائي” كآلية للهروب
في ظل تعقيد الاصطفاف تبنّت بعض المنصات الإعلامية الجهادية نهجًا وصفه بعض الباحثين بالحياد العدائي يقوم على:
- وصف الطرفين بالطغيان والكفر السياسي
- الدعوة إلى عدم الانحياز لأيٍّ منهما
- التركيز على ضرورة التوسع الجهادي في المناطق الأخرى التي يضعف فيها الوجود الأمني
- غير أن هذا الخطاب رغم احترازه الظاهري يُعاني من فقدان القيمة التعبوية إذ لا يُقدّم سردية مُقنعة يمكن تحويلها إلى تعبئة أو تجنيد أو تحفيز جماهيري
الجماعات الإقليمية… من الحذر إلى التجاهل
- اتخذت الجماعات الجهادية ذات الطابع المحلي مواقف أكثر تحفظًا ففي سوريا لم تُصدر هيئة تحرير الشام أي تعليق رسمي على الأحداث كما لم تسجل منصات حراس الدين المرتبطة بالقاعدة أي نشاط بشأنها.
- أما في قطاع غزة، حيث ترتبط بعض الجماعات السلفية الصغيرة بخطاب جهادي عالمي فقد ساد صمت مماثل باستثناء إشارات عابرة على منصات تواصل مغلقة.
-
ويمكن تفسير ذلك بعدة اعتبارات:
- تجنّب الدخول في صراع خطابي مع القوى السياسية المسيطرة (مثل حماس أو إيران).
- محدودية الإمكانيات الإعلامية والتنظيمية لتلك الجماعات.
- التركيز على البُعد المحلي للأولويات في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية.
-
حدود التوظيف الدعائي للصراع
- تعد القدرة على استثمار الأحداث الكبرى دعائيًا أحد أهم مقومات التنظيمات الجهادية لكن في حالة الحرب الإيرانية الإسرائيلية برزت عدة عوامل أعاقت هذا التوظيف:
- غياب مظلومية واضحة يمكن استغلالها كما حدث في قضايا فلسطين أو أفغانستان.
- عدم وضوح الطرف المظلوم الذي يمكن استدعاؤه ضمن خطاب النصرة أو الدفاع عن الأمة.
- طبيعة الحرب التقنية المعقدة التي تبتعد عن المواجهات التقليدية القابلة للتأويل العقائدي
- كل ذلك أضعف قدرة الجماعات على إدماج الصراع في خطابها، ما قد يُسهم في تعميق أزمة الهوية التعبوية لديها.
- سيناريوهات مستقبلية لتحول الخطاب الجهادي
- الانتقال نحو محاور محلية:
- قد تفضّل التنظيمات التركيز على قضايا داخلية أو محلية أكثر قابلية للتوظيف مثل النزاعات القبلية أو الانقسامات المذهبية في إفريقيا واليمن.
-
إعادة صياغة العدو:
من المتوقع ظهور سرديات جديدة تتجاوز التصنيف التقليدي (العدو البعيد والقريب) لصالح مفاهيم أكثر سيولة مثل الأنظمة الفاسدة أو “الهيمنة الغربية–الشرقية المشتركة.





