Wednesday، 04 March 202607:38 AM
آراء حرة

سامح لاشين يكتب : شعوب بين سندان الاستعمار ومطرقة الاستبداد والثورات المغشوشة

السبت، 21 يونيو 2025 09:31 مساءً
سامح لاشين يكتب : شعوب بين سندان الاستعمار ومطرقة الاستبداد والثورات المغشوشة
سامح لاشين
15

هشاشة الدول تضر بالمواطنين بالطبع، فهي تقلّص فرصهم في «رغد العيش»، الذي يعني الأمن والنظام والعدل والرفاه والحرية باعتبارها قيما يريد معظم الناس أن يحققوها، ويبلغ الحال أقصى درجات السوء في الدول البالغة الهشاشة في جنوب الكوكب، حيث يتعين على الناس أن يعيشوا، على الدوام، في حال من انعدام الأمن والصراعات العنيفة. ”

يورج سورنسن

و الحرب الدائرة بين إسرائيل وأمريكا ضد إيران ليست من أجل الحرية أو العدالة، بل هدفها النهب، والسيطرة، والهيمنة، والتوسع، هدفها إذلال الشعوب وإفقارهم، لتبقى إسرائيل وأمريكا في موقع القوة والهيمنة.

ولا معنى إطلاقًا للجدل البيزنطي العقيم حول أن إيران، التي كانت تنازع إسرائيل السيطرة على الخرائط والإقليم، هي بالضرورة في موقع “المقاوم الشريف”. فكلا الطرفين مارس طموحات الهيمنة في إقليم عربي فارغ، يعج بالظلم والاستبداد. أن ننتظر هزيمة إيران على يد أمريكا وإسرائيل، على أمل أن ينتهي “الخطر الإيراني”، هو تصور قاصر، لأن أمريكا وإسرائيل لا يقلّان خطرًا على هذا الإقليم الممزق، سواء كانت دولة غنية أم فقيرة، ملكية أم جمهورية، ولا أستثني أحدًا.

سامح لاشين
سامح لاشين

فإذا سقطت خريطة إيران التي رسمتها منذ ثورتها عام 1979، تلك الثورة التي بدأها الشعب الإيراني بحثًا عن الحرية والكرامة، ثم خُطِفت سريعًا على يد الإسلاميين، فحوّلوها إلى دولة قمعية تُديرها الميليشيات وتُرعب بها الداخل والخارج، فإن البديل سيكون خريطة نتنياهو، التي أعلنها مرارًا وتكرارًا على الملأ.
وكل هذا يحدث لأننا نعيش في إقليم فارغ من الإرادة، ينتظر من يفوز في المعركة، مع أن كل نتائج هذه المعركة ليست في صالح شعوبه

ورغم كل شيء، فإن عدم سقوط إيران كدولة، سيكون في مصلحتنا إلى حد كبير، لأنه سيوقف الوتيرة المتسارعة لتنفيذ خارطة نتنياهو لـ”شرق أوسط جديد”. لكن تبقى الحقيقة أننا نعيش في أوطان بلا إرادة، وبعض هذه الأوطان يندمج طوعًا في تنفيذ الأجندة الأمريكية الإسرائيلية، بل ويشارك في تسويقها .

ومن الحقائق التي نغفلها – أو نتغافل عنها – أن خريطة الشرق الأوسط الجديد تُنفّذ فعليًا منذ أكثر من عقد. خريطة تقوم على تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، بدأً بالعراق، ثم اليمن، وسوريا، وليبيا، والسودان؛ تمزيق يخلق كانتونات صغيرة يسهل التحكم بها، وتنصيب حكومات محلية تتماهى مع الرؤية الإسرائيلية الأمريكية.

إسرائيل لا تستطيع أن تقود المنطقة وتنهب ثرواتها ما لم تُحوَّل الدول المحيطة بها إلى كيانات هشة، لا تملك استقلال قرارها ولا مقومات الدفاع عن ذاتها. وهذا ما يفسر إصرار القيادات الإسرائيلية في كل خطاب على ضرورة إسقاط النظام الإيراني.

لكن ما تتناساه إسرائيل أن ضرباتها الجوية واختراقاتها الاستخباراتية ليست كافية لإسقاط النظام في إيران. الغارات الجوية واستهداف القيادات العسكرية لا تحسم معارك بهذا الحجم. فتاريخ الحروب يؤكد أن الضربات الجوية وحدها لم تُسقط الأنظمة، لا في الحرب العالمية الثانية، ولا في كوريا، ولا في فيتنام، ولا في العراق، ولا في البلقان. ولم ينجح الاتحاد السوفيتي ولا روسيا في أفغانستان أو الشيشان أو حتى أوكرانيا، رغم حجم النيران، فالدخول البري كان الفيصل في كل هذا.

وإسرائيل، وحدها، لا تملك القدرة على الدخول بريًا إلى إيران لإسقاط نظامها، الذي تعتبره تهديدًا وجوديًا. وبالتالي، فإن هدف تقسيم إيران إلى كانتونات على أساس عرقي أو طائفي، سيكون معركة طويلة وشاقة، إن لم تكن مستحيلة دون تدخل أمريكي مباشر.
ولذلك فإن صمود إيران – رغم ممارساتها الداخلية القمعية – قد يكون لحظة فارقة في مسار الصراع.
فإما أن تسقط في دوامة إعادة رسم الخرائط، وإما أن تمزق هذه الخرائط وتقلب المعادلة.

لكن للأسف، صمود إيران وحده لا يكفي، ما لم يرافقه تغير نوعي في موازين القوى، وتحالفات إقليمية ودولية حقيقية. فالصواريخ، وإن منحت إيران قدرة على الردع المؤقت، فإنها لا تستطيع وحدها تغيير المعادلة الجيوسياسية. تحتاج إيران – أو أي دولة تحاول الوقوف في وجه هذا المشروع – إلى أوراق ضغط أكبر، وتحالفات ذات وزن، وهو ما لا يتوفر حتى كتابة هذه السطور.

أما الدول العربية التي تعتقد أنها بعيدة عن مشروع التقسيم لأنها تضخ تريليونات في مشاريع التعاون، وتبني جسورًا مع القوى الكبرى، فعليها أن تتذكر دراسات قديمة تكشف النوايا.
ففي عام 2004، سُرّبت خطة من مؤسسة “راند” تقترح تقسيم المملكة العربية السعودية إلى ثلاث دويلات:
•   جمهورية نفطية في الشرق،
•   دولة للحجاز تشمل الأماكن المقدسة والمنطقة الغربية،
•   وأخرى في نجد ووسط وشمال المملكة.
ورغم نفي المسؤولين الأمريكيين لصلة الحكومة بالخطة، إلا أن مثل هذه الوثائق تعبّر عن رؤية كامنة، وربما عن نوايا مؤجلة تنتظر الظرف المناسب.

وإذا كانت هذه الوثائق سرية، فإن خرائط نتنياهو مرفوعة على الشاشات، ومعلنة بلا مواربة.
نحن في إقليم مطمع استعماري قديم، عانى من الاحتلال لعقود، ويعاني الآن من الهيمنة لعقود أطول، ومن الاستبداد والضعف لعقود أطول وأطول.

ولن يكون الخلاص إلا بالتحرر الحقيقي. لا بثورات مغشوشة تجيء بأنظمة دينية تقهر شعوبها باسم المقدس، ولا بأنظمة تستبد بالسلطة والثروة.
نحتاج إلى أنظمة أكثر رشدًا، تؤمن بأن السلطة لا تدوم، وأن نهم السيطرة يهدم المجتمعات ولا يقيمها. أنظمة تعمل لأجل شعوبها، وتضع الحرية والعدالة والمساواة في صلب مشروعها الوطني.

وفي النهاية، لا فرق كبير بين من يرفع شعار “المقاومة” ليقمع شعبه، ومن يرفع شعار “الديمقراطية” لينهب أرضك… فكلاهما يحكمنا من فوق مطرقة الاستبداد وسندان الاستعمار، وتغطيهم عباءة “الثورة”… المغشوشة.