
منذ أن وطأت قدماه عتبة البيت الأبيض في يناير، لم يتوقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إطلاق بالونات اختبار و”قنابل صوتية” هدفها إشعال حرب أعصاب، وخلق حالة من الذعر في المنطقة، وبالأخص تجاه إيران والمقاومة في فلسطين.
لكن ما بين فنجرة ترامب الإعلامية، وصلابة الرد الإيراني، يتكشف يومًا بعد يوم مدى خواء التهديدات الأميركية، مقابل عقلانية، وجرأة، وقوة رد طهران.
ترامبية الصوت لا الفعل
لم تكن تهديدات ترامب الأخيرة بالانضمام لإسرائيل في الحرب على إيران، ومطالبته أمس بإخلاء العاصمة الإيرانية فورًا، سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من “فنجرة البق وطق الحنك وإطلاق قنابل صوتية خرقاء كبالونات اختبار وحرب نفسية”، وهو منهج اعتمده الرجل منذ اليوم الأول لرئاسته.
ابتدأ المشوار بفكرة ضم كندا، ومرورًا بعبثه باقتراح شراء جزيرة غرينلاند الدنماركية، ثم تهديده المتكرر بتهجير سكان غزة وتحويلها إلى منتجع أميركي على شواطئ المتوسط، وصولًا إلى نوبات الغضب التي تنتابه كلما تحدّته إيران أو المقاومون الفلسطينيون.
بل إن ترامب، حتى قبل أن يُنصّب رئيسًا رسميًا، هدد حماس بـ”الدمار الكامل” إذا لم تطلق سراح الرهائن الأميركيين، وهي التهديدات التي لم تجد لها طريقًا إلى التنفيذ أبدًا.
إيران ترد بالصاروخ لا بالكلام
لكنّ الإيرانيين، وعلى العكس عدد من المثقفين والأكاديميين العرب الذين أصابهم الهلع من خطابات ترامب النارية، لم يرمش لهم جفن.
فبينما كان ترامب يُطلق تصريحاته من شرفته في البيت الأبيض، كانت طهران تطلق صاروخ “الفتّاح” نحو العمق الإسرائيلي – وهو صاروخ خارق للدفاع الجوي الإسرائيلي، بعيد المدى ودقيق الإصابة، كسر الهيمنة الجوية الإسرائيلية، وفتح سماء فلسطين أمام الصواريخ الإيرانية لأول مرة بهذا الوضوح.
ولم تكتفِ إيران بإطلاق صواريخها، بل واصلت ضرباتها ضد المواقع العسكرية الإسرائيلية بلا تردد، رافضة الخضوع لحرب ترامب النفسية.
لا للتفاوض.. لا للابتزاز
في تصريحاتٍ صادمة لبعض حلفائه، اعترف ترامب أن إيران قد تواصلت مع الإدارة الأميركية للتفاوض، لكنه استدرك قائلًا: “سئمت الوضع… أريد استسلامًا غير مشروط”.
وهو أسلوب يعكس جهله بالتركيبة السياسية والاجتماعية لإيران، التي لم تعرف تاريخيًا طعم الانكسار أمام أي عدوان، لا في زمن صدام، ولا في مواجهة إسرائيل، ولا حتى في مواجهة العقوبات الأميركية القاسية.
قالها علي خامنئي بكل وضوح:
> “لسنا من يركع… ولسنا من يساوم على كرامته”.
حرب أعصاب.. وترامب يرقص وحده
حتى اللحظة، لا أحد في العالم يأخذ تصريحات ترامب على محمل الجدية سوى ترامب نفسه وفريقه اليميني المتطرف ونتنياهو ويمينه الأكثر تطرفا.
فبينما يقول ترامب إن “إسرائيل سيطرت بالكامل على أجواء إيران”، تشير الوقائع إلى أن الصواريخ الإيرانية تواصل الزحف إلى قلب تل أبيب، وتصيب مواقع حساسة داخل الأراضي المحتلة.
وبينما يهدد ترامب بـ”ضرب المنشآت النووية”، تؤكد التقارير أن الدفاعات الإيرانية لا تزال متماسكة، وأن طهران تتصرف بثقة، وليس بهلع.
من يخاف من ترامب؟ ليس إيران!
في الوقت الذي انهارت فيه معنويات كثير من الساسة والمثقفين العرب أمام موجة تهديدات ترامب، كانت طهران تثبت مرة أخرى قدرتها على التحدي، لم تخف. لم تتوسل. لم تنكسر. بل خرجت من قلب العاصفة أكثر ثقة، وأكثر قدرة على المواجهة.
أما ترامب، فقد بدا أشبه بمهرج في سيرك سياسي، يهدد صباحًا، ويتراجع مساءً، يتحدث عن اتفاق، ثم يتوعد بحرب، يطلب استسلامًا، ثم يدّعي الرغبة في التفاوض… وكل ما ينتجه في النهاية: فراغ سياسي مغطى بضجيج إعلامي.
بين ترامب “الفنجري” وإيران “الواقعية”، كان المشهد واضحًا للجميع:
تهديدات ترامب فشنك.
وصواريخ إيران حقيقية.
والعالم يعرف اليوم من يملك القرار، ومن يكتفي بالكلام.
ومن واشنطن إلى طهران، تتكرر الحقيقة نفسها:
لا يخيف إيران سوى الله… ولا يخيف ترامب سوى المقاومة.





