
كتب :محمد أبوزيد
منذ أن اندلعت المواجهة المفتوحة بين دولة الاحتلال الإسرائيلي وإيران فجر الجمعة الماضية، شهدت الساحة الإقليمية واحدة من أكثر جولات الصراع سخونة في تاريخ الشرق الأوسط. فإيران، ولأول مرة، أطلقت مئات الصواريخ الباليستية الدقيقة، واستهدفت بها العمق الإسرائيلي بشكل مباشر، مدمرة منشآت استراتيجية كميناء حيفا، ومقرات لشركات نفط، ومبانٍ حساسة يُعتقد أنها مراكز استخباراتية تابعة للموساد في تل أبيب وحيفا. وعلى الرغم من حجم الدمار، وكثافة الضربات، وتعدد الجبهات، يبقى السؤال المحوري والمحرج لإيران: لماذا لم يُقتل حتى الآن أي مسؤول إسرائيلي كبير؟
وفي المقابل، ومنذ الساعات الأولى للهجوم الإسرائيلي المعاكس، استطاعت تل أبيب أن توجه ضربات دقيقة وقاتلة لقلب القيادة العسكرية الإيرانية، فاغتالت رئيس الأركان، وقائد فيلق القدس، وقائد القوات الجوية، ورئيس استخبارات الحرس الثوري، بالإضافة إلى عدد من كبار العلماء النوويين، في عمليات استخباراتية عالية الدقة والسرعة.

هذا التباين الصارخ في “حصيلة الضربات النوعية” بين الطرفين يثير تساؤلات استراتيجية عميقة تتعلق بتوازن القدرات بين الدولتين، خاصة في المجال الاستخباراتي
السبب الأبرز لهذا التباين هو الفارق الكبير في القدرات الاستخباراتية بين الطرفين. إسرائيل تملك واحدة من أقوى منظومات الاستخبارات في العالم، متمثلة في جهاز “الموساد” وجهاز “الشاباك” ووحدات الاستخبارات العسكرية مثل “أمان” و”الوحدة 8200″. هذه الأجهزة نجحت خلال العقود الماضية في اختراق بنية النظام الإيراني من الداخل، بما في ذلك الحرس الثوري، والمنشآت النووية، والمؤسسات الأمنية والعسكرية، إلى درجة تنفيذ اغتيالات داخل طهران نفسها، مثل اغتيال العالم النووي محسن فخري زادة عام 2020،واغتيال إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في قلب طهران العام الماضي، وفي الهجوم الأخير قتلت إسرائيل رئيس الأركان وكبار قيادات الجيش الإيراني و10 علماء ذرة
في المقابل، الاستخبارات الإيرانية تواجه تحديات كبرى في اختراق الدولة الإسرائيلية. البنية الاستخبارية الإسرائيلية محصنة، وتعتمد على تقنيات ذكاء اصطناعي متقدمة، وتراقب باستمرار أي نشاط خارجي. ورغم امتلاك إيران لوكلاء أقوياء مثل حزب الله، والحوثيين، وفصائل عراقية، فإن استخدامها لهذه الأدوات غالبًا ما يكون لأهداف تكتيكية، وليس لتنفيذ اغتيالات معقدة داخل العمق الإسرائيلي
ثانيًا: الملاجئ المحصنة للعسكريين الصهاينة
منذ اليوم الأول للهجوم الإيراني، أُمر جميع المسؤولين الكبار في إسرائيل، بمن فيهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزراء الدفاع والمالية والأمن القومي، بالانتقال إلى ملاجئ عسكرية محصنة تحت الأرض، أشبه بالخنادق، تُدار منها الأزمات الكبرى. هذه الملاجئ مزودة بنظام اتصالات مشفر، وتخضع لحراسة مشددة من ، وتُغيّر مواقعها باستمرار.
وبالتالي، فإن الوصول إليهم أو حتى تتبع تحركاتهم أصبح أمرًا شبه مستحيل، خصوصًا في ظل حالة التعبئة الكاملة التي تعيشها إسرائيل.
ثالثًا: الطبيعة المختلفة لأهداف إيران
إيران، في ضرباتها الأخيرة، يبدو أنها اختارت التركيز على “الرمزية الاستراتيجية” بدلاً من “الاغتيال الشخصي”، من خلال استهداف منشآت النفط، والموانئ، ومراكز استخباراتية ومخازن أسلحة، في رسالة واضحة لإسرائيل والعالم مفادها أن طهران قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي وتكبيده خسائر اقتصادية وبنية تحتية جسيمة. لكن هذا التوجه قد يُفهم أيضًا على أنه عجز أو قصور في القدرة على الوصول لأهداف بشرية دقيقة.
رابعا : الخوف من التصعيد الدولي
قد تكون إيران تجنّبت عمدًا اغتيال مسؤول إسرائيلي بارز خوفًا من رد الولايات المتحدة التي أعلنت صراحة أنها ستتدخل إن تعرضت إسرائيل لهجوم يهدد قيادتها أو كيانها السياسي. فاغتيال شخصية بارزة مثل نتنياهو أو رئيس الأركان كان سيشعل حربًا كبرى تتجاوز الضربات المتبادلة، وربما يدخل إيران في مواجهة شاملة مع حلف “الناتو” أو يبرر ضربة أمريكية ضد منشآتها النووية.
خامسا : صعوبة التنفيذ في جغرافيا مفتوحة ومؤمنة
إسرائيل، بخلاف إيران، صغيرة المساحة، ولكنها مشبعة بتكنولوجيا الرصد، ومراقبة الأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، وعشرات الحواجز الأمنية، مما يجعل تنفيذ أي عملية اغتيال داخل أراضيها أمرًا شبه مستحيل، ما لم يكن من الداخل، وهذا يتطلب زرع عملاء لفترات طويلة، وهو ما لم تنجح فيه إيران حتى الآن.





