Wednesday، 04 March 202611:06 AM
آراء حرة

حسام حسن الخُشت يكتب: الطريق إلى ثورة 30 يونيو في أسيوط

الخميس، 12 يونيو 2025 05:37 مساءً
حسام حسن الخُشت يكتب: الطريق إلى ثورة 30 يونيو في أسيوط
حسام الخُشت – عضو مجلس النواب
15

أسيوط، تلك المحافظة العميقة في قلب الصعيد، لم تكن يومًا على هامش الحراك الوطني، ولا كانت غائبة عن حسابات التغيير. بل كانت علاقتها بحكم جماعة الإخوان المسلمين، منذ أن تولوا السلطة بعد ثورة 25 يناير، قد اتّسمت منذ اللحظة الأولى بالتحفّظ، ثم بالغضب، ثم بالرفض الكامل. لم يكن أهل أسيوط يومًا خصومًا لأحد، لكنهم يعرفون تمامًا متى يُخدعون، ومتى يُستهان بكرامتهم، ومتى تُختزل آمالهم في شعارات جوفاء. ومع الأيام الأولى لذلك الحكم، بدأنا نلمس أن مشروعًا يُبنى لا لخدمة الوطن بل لتمكين جماعة، وأن خطابًا دينيًا يُستخدم ستارًا لتصفية الحسابات السياسية، وأن فشلًا إداريًا ومعيشيًا يُراد له أن يُحمَّل على الناس وكأنهم هم العاجزون، لا الحاكمون.

كان من بيننا، ربما، من صدّق الوعود في البداية، وتمنّى أن تكون تلك لحظة حقيقية لنهضة الصعيد، لكن صيف 2012 كان كفيلًا بإسقاط هذه الأوهام. انقطاعات الكهرباء التي عمّت قرى بأكملها في المحافظة، طوابير البنزين في ساحل سليم وديروط وأبنوب، ثم العجز الكامل عن توفير أسطوانات الغاز، جعلت كل مركز يتحوّل إلى كتلة مشتعلة من الغضب المعيشي. ومع كل أزمة، كانت التصريحات تزداد بُعدًا عن الواقع، والقرارات تزداد عشوائية، ولا مشروع حقيقي يظهر للصعيد، رغم وعودٍ طُرحت عن (نهضة شاملة) لم نرَ منها شيئًا. ومع بداية عام 2013، كانت لهجة الناس في الشارع قد تغيّرت، وأصبحت العبارة المتكرّرة على المقاهي (الوضع ما يتسكتش عليه).

ما أثار الغضب في أسيوط لم يكن فقط تدهور مستوى الخدمات، بل الطريقة التي أدارت بها الجماعة مفاصل الدولة. بدأت عمليات التمكين في التربية والتعليم، والتموين، والمحليات، وديوان عام المحافظة بشكل فجّ، وتمّ تهميش الكفاءات المستقلة بشكل ممنهج. في الإدارات التعليمية، وُضعت قوائم تُعرف بـ(قوائم الولاء)، شرطها غير المعلن أن تكون مبايعًا للجماعة. العديد من زملائي من الموظفين والمُعلّمين صاروا يتحدّثون بصوت خافت عن (اجتماعات التزكية) التي يجريها بعض المحسوبين على حزب الحرية والعدالة لمن يرغب في الترقّي أو حتى الاستمرار في عمله.

في مواجهة هذا التمكين الممنهج، كنت واحدًا ممن شاركوا، مع زملائي من التيار الشعبي، والمصري الديمقراطي الاجتماعي، وحزب الدستور، في تأسيس غرفة عمليات لجبهة الإنقاذ الوطني في أسيوط في نهاية عام 2012. هذه الغرفة لم تكن مجرد كيان سياسي، بل كانت مركز مقاومة مدنية منظم، يقوم بتوثيق الانتهاكات، والتواصل مع القوى الوطنية، وتنسيق الردود القانونية والإعلامية، وتنظيم الحملات الجماهيرية، وترتيب الفعاليات، والتواصل مع الزملاء في المحافظات الأخرى. وكان واضحًا لنا أن الصعيد، وأخص بالذكر أسيوط، لن يقف مكتوف الأيدي في هذه المعركة.

ثم جاءت لحظة فارقة تمثّلت في انطلاق حركة (تمرد). سرعان ما التقت هذه المبادرة مع الحراك القائم على الأرض، وبدأ الجميع في تنظيم حملات توقيع في الشوارع والقرى، وكنّا نجد تجاوبًا عفويًا، يكشف أن الغضب الشعبي قد تجاوز أي تنظير سياسي. وفي غضون أسابيع، أعلنت الحركة أنها جمعت أكثر من مائتي ألف توقيع من محافظة أسيوط وحدها، وهو رقم ضخم بالقياس إلى حجم السكان ومعدلات المشاركة المعتادة.

في تلك الفترة، كان الغضب يتصاعد يومًا بعد يوم. حتى المظاهرات السلمية لم تسلم من القمع، وأذكر بمرارة ما تعرّض له الزميل (أ. س. ر)، زميلي في العمل الميداني وعضو التيار الشعبي، حين اختُطف أثناء مسيرة احتجاجية في جمعة (الكارت الأحمر)، واحتُجز داخل مقر حزب الحرية والعدالة، وتعرّض للاعتداء والضغط لإجباره على الإدلاء باعترافات ملفقة. حين خرج، لم يكن خائفًا، بل كان أكثر تصميمًا على مواصلة المواجهة، وكان ذلك موقف معظمنا.

ومع اقتراب يوم 30 يونيو، صارت الأرض تهتز تحت أقدامهم. التنسيق بين الأحزاب والحركات الشبابية بلغ ذروته، وارتفعت درجة الوعي في الشارع. في الأسبوع الأخير من يونيو، كانت كل قرية تقريبًا قد شهدت فعاليات (تمرد)، وبدأ الناس يتحدثون عن النزول كأمر واقع، لا كمجرد احتمال. كانت الاجتماعات لا تنقطع، واللجان الشعبية بدأت تتشكل، والهتاف الأهم أصبح: (هنسترد البلد).

ومع مساء 30 يونيو، وفي تمام الرابعة عصرًا ومن أمام ميدان التركي في وسط أسيوط، وبقيادة حسام مصطفى وياسر سامي وآخرين، اشتعلت نيران المظاهرات، وعلت هتافات المتظاهرين ضد حكم الجماعة، وسقط ثلاثة شهداء من المتظاهرين:

الدكتور محمد ناصف، وأبانوب عادل، ومحمد عبد المجيد.

سقطوا أمام ديوان عام المحافظة، حيث كان مركز التجمّع الرئيسي، وارتفعت الدماء إلى مرتبة النور، لتثبت أن أسيوط لم تكن خارج التاريخ ولا على هامش الوطن، بل في القلب منه، وفي مواجهة مباشرة مع مشروع استعلائي حاول أن يبتلع الدولة باسم الدين.

في ذلك اليوم، لم يكن المشهد مجرد خروج جماهيري. كانت لحظة ذروة وعي سياسي، نضج فيها الحس الشعبي، وتجلّت وحدة غير مسبوقة بين التيارات المدنية، والناشطين المستقلين، والنقابات، والطلاب، بل وحتى فئات من المجتمع لم تُعرف يومًا بالنشاط السياسي. امتزجت الحناجر في ميدان المجذوب وأم البطل والساحات المجاورة على هتاف: (ارحل) الذي صار تعبيرًا بسيطًا عن تعقيدات التهميش، والخذلان، واستغلال الإيمان والدين.

وحين نعود بذاكرتنا إلى تلك اللحظات، نُدرك أن ما حدث لم يكن مجرّد احتجاج على جماعة حاكمة، بل لحظة استرداد لإرادة كانت تُسلب، وتحرر من وصاية حاولت أن تحتكر الحقيقة والسلطة باسم الدين. خرجنا من أسيوط لنقول: لا مكان لحكم الجماعة، ولا لاستغلال الدين في تمرير الفشل.

هذا المقال وهذه الكلمات التي لا تستطيع أن تعبّر أو تصف الحقيقة كاملة،
إهداء:

موجّه بالشكر والوفاء لشهداء 30 يونيو من أبناء المحافظة:
محمد ناصف – أبانوب عادل – محمد عبد المجيد.

ولنوجّه التحية لزملائنا وأساتذتنا الذين شاركونا هذه اللحظات، من فارقتنا أجسادهم وظلت أرواحهم حيّة بيننا، تعلقت قلوب البعض منا بهم:
إسلام سعد خشبة – مؤمن عصام – حسام شحاتة – أحمد عبدالعال – ممدوح مكرم – ريم فصيح – جمال عسران – فاطمة سلطان – الصحفية سعاد أحمد.

ولنتذكّر معًا مجهودات شباب أسيوط، وعلى رأسهم:
حسام مصطفى – حسن ضاحي – علي أبوحميد – لبنى فتحي – أحمد جمال – عمرو الحداد – محمد مصطفى – محمود البنا – أحمد جمال – إسلام البدري – فاطمة العوامري – الشيماء رشوان – أحمد عمار – ضياء العجيمي – محمود عبدالله – وليد حشمت – علي سيد – إيناس ثروت – وائل فهيم – بسام رأفت – ياسر سامي – محمد الحداد – يسرا أبو الفضل- مانو -ياسر بدر -السمري-احمد عبدالرزاق-دريم-عبدالرحمن عادل -محمد مصطفي -احمدالسيد، وآخرين ربما قدّموا ما هو أهم وأفضل بكثير.

والأساتذة:
هلال عبدالحميد – مصطفى القاضي – عباس مشهور – جمال عويس – ضياء عبدالحميد – عبدالناصر يوسف – حلمي صموئيل – علي زيدان.

والزملاء من الصحفيين من أبناء المحافظة، الذين لولا وجودهم ما خرج هذا الجهد إلى النور في وقته، والذين اصطفّوا معنا في الصفوف الأولى منذ اللحظة الأولى:
محمود العسيري – خالد العسقلاني – إيهاب عمر – أسامة صديق – سويفي رشدي – فاطمة جابر – يونس درويش – محسن بدر – لولا عطا- هيثم البدري -محمد فوزي