
في العام الذي تلا 25 يناير 2011، بدا أن مصر تفتح بابًا لا أحد يعرف إن كان بابًا نحو الحرية أم فجوة في جدار الدولة.
كان الكل يهرول نحو المستقبل، بينما كانت جماعة الإخوان تسير بخُطى حذرة، كأنها تتحسس الأرض، لا لأنها تخشى السقوط، بل لأنها لم تكن تُصدّق أن الطريق إلى القصر قد بات مفتوحًا أمامها.
لم تؤمن الجماعة بثورة يناير، لكنها أدركت أن ما لم تقدر عليه بالدعوة والسرية والسياسة… ربما تمنحه لها الفوضى، فدخلت المشهد كمن يدخل على مائدة لم يُشارك في طبخها، لكنه جاء ليأخذ منها كل شيء!.
لا تحدثني في تلك اللحظة التاريخية عن الدولة وكأنها كانت حاضرة، أو عن مؤسساتها وكأنها كانت تقرأ المشهد بعين فاحصة، لا ، فقد كانت الدولة نائمة!
وإذا أردتَ الدقة، كانت مُخدَّرة، مغلولة، موصولة إلى أجهزة تنفسٍ تشتغل بالحد الأدنى: اسمٌ على اللافتة، وموظفون على الكراسي.
وحين قررت جماعة الإخوان أن تدخل الانتخابات الرئاسية، كانت تُدرك – على الأرجح – أنها تُغامر بما بنته طوال عقود تحت الأرض، لكنها ظنّت أن لحظة “التمكين” قد جاءت، وأن كل التنازلات السابقة يجب أن تُعوَّض سريعًا.
لذلك فإن ما جرى بعد فوز مرسي بالرئاسة لم يكن صراعًا بين قوى سياسية، بل اشتباكًا وجوديًا بين الدولة المصرية وجسمٍ وافد عليها لا يرى فيها إلا ممرًا لا مقرًا.
كان واضحًا أن الجماعة لم تتعامل مع الحكم كمسؤولية وطنية، بل كفتح سياسي تُقسم فيه الغنائم التنظيمية، الرئاسة لهم، الحكومة تحت سيطرتهم، الدستور يكتبونه بأيديهم، وكل مخالف هو ضد الإسلام، لا ضدهم.
وكانت المفارقة الأشد أن من جاءوا باسم الدين، تعاملوا مع المجتمع كعدو، ومع الدولة كغنيمة، ومع الزمن كملكٍ خاص، وكان المشهد كله دال على أنهم لم يؤمنوا بتداول السلطة، لأنهم يرونه نوعًا من الفتنة! ولم يعترفوا بالآخر، لأنهم يرونه جزءًا من الجاهلية!.
وهنا لا بد أن أقول: إن من يظن أن الشرعية تأتي من الصناديق فقط، دون التعاقد الثقافي والسياسي مع الأمة، فقد قرأ الديمقراطية في كتيب التنظيم، لا في كتاب الدولة.
حينها كنتُ أراقب الإخوان – لا كخصم سياسي، ولكن كمن يعرفهم من الداخل – فرأيتُ كيف تحوّلوا من تنظيم داخل الدولة إلى مشروع احتلال ناعم: ولم يكن عجبًا أن تصعد الجماعة إلى “قَصر الحكم”، ولكن العجب أنهم لم يغيّروا حتى نبرة الصوت! الرئيس يتكلم بلكنة التنظيم، والقرارات تُطبخ في مطبخ الإرشاد، و”الشاطر” يمشي وكأنه ظِلُّ الفرعون، لا ظِلُّ المرشد!
فبدا للجميع أن الإخوان لم يأتوا ليشاركوا، بل ليُبدّلوا الخريطة:
- أقصَوا المؤسسة القضائية عندما أرادت أن تمارس رقابتها.
- اشتبكوا مع الإعلام باعتباره “فُضولًا يُفسد الدعوة”.
- همّشوا كل القوى الثورية، فاختزلوا الوطن في فصيل.
- وحاولوا تغيير هوية الدولة من جمهورية مدنية… إلى ما يشبه ولاية تنظيمية تُدار من مكتب الإرشاد.
ومنذ أواخر 2012، بدأت الصدامات الكبرى:
- في نوفمبر، يصدر الرئيس إعلانًا دستوريًا يمنح نفسه صلاحيات تفوق ما امتلكه عبد الناصر في أكثر لحظاته حسمًا.
- يُحاصر الإخوان المحكمة الدستورية، ويُحاصرون مدينة الإنتاج الإعلامي.
- تبدأ معارك الاتحادية، وتُراق دماء المصريين أمام قصر الرئاسة، لا في ساحة معركة.
- تنفصل القوى السياسية واحدة تلو الأخرى عن رئاسة لا تُصغي.
- ثم، في قمة الفجور السياسي، تخرج فتاوى من بعض قادتهم تُكفّر المخالف وتُهدد المعارضين بـ”جهنم الديمقراطية”!.
في ذلك التوقيت، لم يكن السؤال هو: هل سيسقط حكم الإخوان؟ بل كان السؤال الأعمق: هل تقبل مصر أن يُكتب دستورها من حبر السمع والطاعة؟
فمحمد مرسي في الحقيقة لم يدخل قصر الرئاسة ولكنه دخل في شرنقة التنظيم، حيث كل شيء يُقاس بالمصلحة الدعوية، لا بالمصلحة الوطنية، وحيث تُختزل السيادة في “مكتب الإرشاد”، لا في إرادة الأمة.
والحقيقة أن الإخوان لم يخسروا الحكم، بل أضاعوا مصر منهم. ففي 30 يونيو قررت مصر أن تقول “لا” قبل فوات الأوان.
لم يكن الناس ينزلون إلى الشوارع فقط احتجاجًا على رئيسٍ فشل، بل نزلوا لأنهم شعروا أن الدولة تُختطف، وأن الوطن يُغيَّر من الداخل دون استئذان،
ولم تكن المظاهرات سياسية فقط، بل وجودية: رفضٌ للهيمنة، وتمردٌ على التديين الزائف، واستعادةٌ للهوية الوطنية.
وبالتأكيد نزلت مصر كلها في هذا اليوم إلى الشارع ، فتجاوز عدد المتظاهرين 30 مليونًا، وجلس من لم يستطع النزول على أرائك أمام البنايات التي يسكنون فيها ، ومن لم يستطع وقف في الشرفات والنوافذ، كأنهم يكتبون بيانًا جماهيريًا لا تقدر عليه كل مؤسسات الإعلام.
ففي ظهيرة 30 يونيو، لم يكن في الشارع متظاهرون فقط، بل كانت هناك الذاكرة السياسية لمصر، بكل تقلباتها: من الذين خرجوا في 52 على الملك، إلى الذين خرجوا في 77 على قرارات الخبز، إلى الذين خرجوا احتجاجا على اتفاقية كامب ديفيد ، إلى الذين خرجوا في يناير 2011 بحثًا عن كرامة، والذين خرجوا الآن لحماية معنى الدولة.
كان المشهد ضخمًا حتى على عدسات الكاميرا
ولأنني أومن أن التاريخ لا يكتب نفسه بل يُكتَب له، فقد كنت على يقين أن من نزلوا في ذلك اليوم لم يكونوا يسيرون وراء شخص، بل وراء حدس عميق بأن مصر تُنتزع من ذاتها.
ولم يكن أمام الجيش – الذي يعرف أن هويته من هوية الدولة – إلا أن يتدخل، لا كقوة انقلاب، بل كصمام أمان. فثورة 30 يونيو لم تكن انقلابًا على الشرعية، بل تصحيحًا لمسار خطيرٍ كاد أن يُحطم الشرعية نفسها.
والحقيقة التي قرأناها من التاريخ ورواها لنا أجدادنا أنه منذ عهد محمد علي لم يكن للجيش المصري دور سياسي حاسم كهذا إلا مرات قليلة. وكان من ضمن تلك المرات القليلة يوم 3 يوليو، ذلك اليوم الذي لم تكن فيه المؤسسة العسكرية تُنفذ انقلابًا، بل تسحب الدولة من تحت الأنقاض.
ولهذا لم يكن البيان الذي ألقاه الفريق أول عبد الفتاح السيسي بيانًا عسكريًا، بل بدا كـ مانيفستو إنقاذ وطني، يكتب فصلًا جديدًا في سردية مصر المعاصرة، حيث الجيش لا يتقدم طامعًا، بل مضطرًا.
لذلك فإن ثورة يونيو بدأت في الشارع… وانتهت إلى البيان، لا العكس! فحين تخرج الملايين دون دعوة، وتحت شمس الصيف الحارقة، فذلك لا يعني أن هناك مؤامرة، بل أن هناك وجعًا تجاوز الكلام، وأملًا لا يُكتب إلا في الشوارع، والناس لم تخرج انتظارًا لأن يُنقذها الجنرال، بل خرجت لأن القهر لم يترك لها سوى صوتها، فالثورة لا تُصنع ببيانات… بل بوجع الناس .
لقد انتصرت مصر يومها، ليس لأنها عزلت رئيسًا، بل لأنها أعادت تعريف نفسها من جديد: وطنًا لا يُؤمم، ودولة لا تُختزل، وشعبًا لا يُستغفل.
والإخوان لم يسقطوا لأن أحدًا أسقطهم، بل لأنهم ظنوا أن الله منحهم توكيلًا دائمًا عن السماء، ونسوا أن الشعب هو وحده الموكِّل والموكَّل.
والمأساة أنهم – بدلًا من أن يُراجعوا أنفسهم – صدّروا رواية المظلومية، وكأنهم خرجوا من الفردوس إلى المنفى، دون أن يُصارحوا جمهورهم بأنهم خسروا الحكم لأنهم لم يفهموا الدولة.
أما الحكاية التي أرويها لكم في هذا المقال فهي تبدأ من الحُلم، لا من البيان، ومن صوت الناس، لا من صدى القصور.
كلمة أخيرة: لا تصنعوا من 30 يونيو تمثالًا، دعوها حيّة ذلك أن 30 يونيو ليست لحظةً مجيدةً تُوضع في واجهة المتحف، بل شعلةٌ ينبغي أن تظل مشتعلة.
لا لتُحرِق أحدًا، بل لتنير الطريق حتى لا نعود مرةً أخرى إلى فاشية دينية.





