Wednesday، 04 March 202609:06 AM
آراء حرة

المهندس طاهر أبو زيد يكتب: السياسة.. بين السهل والصعب

السبت، 07 يونيو 2025 03:58 مساءً
المهندس طاهر أبو زيد يكتب: السياسة.. بين السهل والصعب
المهندس طاهر أبوزيد
15

السياسة ليست ساحةً مفتوحة لكل من أراد فقط الظهور أو الحصول على لقب، بل هي رحلة نضج حقيقية تبدأ من الحلم وتنتهي بالممارسة الصلبة. طريقها مليء بالمراحل، كل واحدة أصعب من سابقتها:

سهل تدخل حزب…
صعب تبقى سياسي
سهل تبقى سياسي…
صعب تبقى مسؤول
سهل تبقى مسؤول…
لكن الأصعب أن تصبح رجل دولة

هذه العبارة تختصر المسار السياسي من الهواية إلى الدولة، لكنها لا تحكي عن المشقة فقط، بل تضع أمامنا معيارًا مهمًا: ليس كل من دخل السياسة أصبح سياسيًا، وليس كل من تولى مسؤولية أصبح رجل دولة.

السهل: الانتماء والانخراط

في زمننا، لم يعد من الصعب أن تنتمي إلى حزب أو كيان سياسي، الأحزاب باتت أكثر انفتاحًا على الشباب والطموحين، والتكنولوجيا قرّبت المسافة بين المواطن وصنّاع القرار. وهذا أمر محمود، لأنه يرسّخ المشاركة ويمنح الأمل للوجوه الجديدة.

لكن لا يُقاس النجاح السياسي بالبطاقات الحزبية أو الصور الدعائية، بل يبدأ من الرغبة في الفعل، لا مجرد الوجود.

الصعب: الاحتراف السياسي

أن تكون سياسيًا حقيقيًا يعني أن تتجاوز مرحلة الاندماج الشكلي إلى مرحلة التأثير الحقيقي، أن تمتلك أدوات التحليل، وتفهم لغة المصالح، وتتعلم فن الإنصات أكثر من فن الإلقاء.

السياسي المحترف هو من يعرف أن العمل العام ليس بطولة فردية، بل مسؤولية جماعية، تستلزم المعرفة والخبرة والمرونة والوضوح في الموقف.

الأصعب: مسؤولية القرار

تولي المسؤولية، سواء داخل حزب أو تحت قبة البرلمان أو في مؤسسة تنفيذية، يضع صاحبه تحت ضوء المحاسبة، فالكلمات وحدها لا تكفي. هنا تبدأ المرحلة التي يُقاس فيها السياسي بـ”النتيجة”، لا بالشعار، وبما يُنجز، لا بما يُتوقع.

وهنا أيضًا يواجه المسؤول تحدي الموازنة: بين ما يؤمن به، وما يستطيع تنفيذه، وما يُطلب منه في واقع لا يخلو من تناقضات.

الأشد صعوبة: أن تصبح رجل دولة

رجل الدولة ليس بالضرورة صاحب أعلى منصب، بل هو صاحب أعلى وعي. هو من يدير الأمور من موقع وطني لا حزبي، ويُقدّم الصالح العام على المكاسب الضيقة، هو من يتحمل النقد، ويُحسن التصرف في الأزمات، ولا يُفرط في المبدأ مهما اشتدت الضغوط.

أن تصبح رجل دولة هو أن تُجيد الجمع بين الصلابة والمروءة، بين المبادئ والحكمة، بين الخُطى المدروسة والمواقف الشجاعة.

العنصر الحاسم: الاتزان والمبادئ

وسط كل هذه المراحل، يبقى الاتزان النفسي والثبات الأخلاقي هما العملة النادرة في العمل السياسي. كثيرون يصعدون بسرعة، لكن قليلون من يحافظون على اتزانهم في مواجهة الأضواء أو الإغراء أو الفشل.

وهنا تظهر حقيقة السياسة كمسار قيمي، لا فقط مسار مهني. فالمعركة الحقيقية ليست مع الخصوم… بل مع النفس.

ختاماً: من يبدأ.. ومن يستمر

السياسة في جوهرها ليست دخولًا إلى دائرة الضوء، بل التزام طويل نحو الناس، والقضية، والوطن. هي نضال يومي من أجل التوازن، والعدالة، والصدق، والنتيجة.

فمن السهل أن تكون جزءًا من المشهد…
لكن الصعب – والجميل – أن تكون من صُنّاع المعنى داخل هذا المشهد.

ومن يربح احترام الناس اليوم بأدائه، هو من تُكتب له السطور المشرقة غدًا في ذاكرة الوطن.