
في نهاية كل امتحان تأتي النتيجة، وفي ختام كل موسم زراعة يأتي وقت الحصاد، وهكذا هو المشهد السياسي المصري اليوم، ونحن على أعتاب استحقاق انتخابي جديد يتمثل في انتخابات مجلسي النواب والشيوخ، بعد دورة برلمانية استثنائية امتدت لخمسة أعوام.
لقد شكلت تلك الدورة ملامح الواقع السياسي بكل أطيافه وتياراته، وتبارت خلالها الأحزاب والكيانات السياسية في استقطاب العناصر الفاعلة سواء داخل البرلمان أو من خلال هياكلها التنظيمية، بما فيها من كفاءات وخبرات متنوعة، ولكن يبقى ما يميز هذه الدورة بحق هو الصعود الحقيقي والفاعل للتجربة السياسية الشبابية، التي تحولت من مجرد تمثيل عددي إلى تأثير نوعي ملموس.
خلال السنوات الماضية، أثبتت هذه التجربة قدرتها على تجاوز النظرة التقليدية لدور الشباب في العمل السياسي، فلم تكن مجرد حالة رمزية، بل تجربة تشبعت بالواقع، ونضجت بالتجربة، وتحررت من سذاجة البدايات وتعصب الأيديولوجيات، فخلقت مساحات مشتركة للعمل والتوافق بعيدًا عن الشعارات الفارغة.
لقد نجح عدد من النواب الشباب في تقديم أداء برلماني مشرف، تميز بالاجتهاد والالتزام، وتقديم مقترحات تشريعية ترتبط باحتياجات الناس الفعلية. كما انخرط آخرون في العمل الحزبي والتنظيمي، مشاركين بفاعلية في صياغة الرؤى المستقبلية لأحزابهم، وقيادة ملفات مهمة على المستويين السياسي والمجتمعي ولكل حزب طرقه في تقييم تجربته وشبابه .
هذه النخبة السياسية الشابة لم تكن حالة موسمية أو صدفة انتخابية، بل نتاج تفاعل عميق مع تحولات الواقع المصري، ومرآة لطموحات أغلبية سكانية شابة تبحث عن من يمثلها حقًا، لا من يتحدث باسمها فقط. لقد مارست هذه النخبة السياسة للكل، لا للفرد، وجعلت من الانتماء للوطن أولوية تتجاوز الانتماء للتيار أو المصالح.
واليوم، ومع اقتراب موعد الحسم الانتخابي، وفي ظل الصخب السياسي والإعلامي المعتاد، تبقى دعوة صادقة لكل متابع وفاعل في المجال العام: لا تشتت انتباهك عن دعم هذه التجربة الشابة. فهي لا تزال تمثل الأمل الأصدق في بناء حياة سياسية صحية، تقوم على التعددية، والتنوع، والكفاءة.
إن استمرارية هذه التجربة تتطلب دعمًا مجتمعيًا واعيًا، وتمكينًا مؤسسيًا حقيقيًا، وتتطلب بيئة انتخابية واعية، وأحزابًا تفتح الأبواب لا تغلقها، وجمهورًا يقرأ السيرة لا الصورة، نحن أمام فرصة تاريخية لتأسيس حياة سياسية حقيقية، مبنية علي الشباب فالأوطان لا تُبنى بشباب مهمش، ولا تتقدم إلا بنخبة جديدة تحمل فكرًا عصريًا، وولاءً وطنيًا لا يتغير.
وفي موسم الحصاد، علينا أن نختار بعين الوعي لا العادة، وأن نصنع برلمانًا يمثلنا ويؤثر بنا، لا مجرد قبة سياسية تتكرر فيها الوجوه.
الشباب هم مستقبل هذا الوطن، وإذا أردنا سياسة نظيفة وقادرة، فلن نجد أفضل من جيل آمن بالفكرة وخاض التجربة، ليقود الطريق.





