
في خطوة تشريعية أعادت ملف الإيجار القديم إلى واجهة النقاش العام، شهدت الأوساط النيابية والقانونية والمجتمعية في مصر حالة من الجدل والانقسام، بعد الإعلان عن مشروع قانون الإيجار القديم لعام 2025، والذي وصفه كثيرون بأنه “تاريخي” و”مصيري”، في حين حذّر آخرون من تبعاته الاجتماعية على ملايين المستأجرين.

مجلس النواب.. مرحلة الاستماع لم تنتهِ بعد
خلال فعاليات مؤتمر “كلمة أخيرة”، تحدث النائب إيهاب رمزي عن الوضع داخل البرلمان، مؤكدًا أن “مجلس النواب يعيش حالة صراع حول قانون الإيجار القديم”، وأنه حتى اللحظة لم يتم اتخاذ قرار نهائي، إذ لا تزال المناقشات في مرحلة الاستماع لمختلف وجهات النظر.
وقال رمزي:”لدينا أكثر من 500 نائب، ومن الطبيعي أن نختلف. لكن في النهاية القرار سيصدر بأغلبية الأصوات. القانون هربت منه مجالس سابقة، وآن الأوان لمواجهته بشجاعة”.
للاطلاع على المزيد:
وزير الشئون النيابية: المادة 7 من قانون الإيجار القديم تحتاج إلى تدعيم
حزب المصريين الأحرار يعيد صياغة مشروع قانون الإيجار القديم وفقًا للعدالة الدستورية والأجتماعية
النائب إيهاب وهبة: “الإيجار القديم” قضية متشابكة وضرورة العمل على حلول عادلة ومتوازنة تراعي حقوق الطرفين
النائب أحمد عبدالجواد: «مستقبل وطن» لن يتردد في الدفاع عن مصالح المواطنين بقانون الإيجار القديم.. ولن يطرد أحد من بيته
“الظلم بين”.. الملاك في قلب المعركة
في موقف حاسم، صرّح النائب إسماعيل نصر الدين أن الملاك “ظُلموا ظلمًا بيّنًا لسنوات طويلة”، ووصف قانون الإيجار القديم بأنه “سيئ السمعة”، مطالبًا بضرورة تصحيح هذا الوضع غير العادل.
واقترح نصر الدين إنشاء “صندوق للتكافل الإسكاني” لدعم المستأجرين غير القادرين، شرط أن يكون خارج موازنة الدولة، وذلك لضمان تعويض الملاك عن الفارق الكبير في القيمة الإيجارية الحالية مقابل السوق.
وقال:”مش معقول إيجار عمارة كاملة بـ80 جنيه! الملاك تحمّلوا ما لا يُحتمل، ولا بد من معالجة هذا الخلل جذريًا”.
عاطف مخاليف: “خمس سنوات فترة كافية للتعديل”
أما النائب عاطف مخاليف، فدافع عن المقترح المقدم، معتبرًا أن الفترة الانتقالية لخمس سنوات كافية للمستأجرين لتوفيق أوضاعهم، موجهًا التحية للمؤجرين الذين “تحمّلوا سنوات طويلة من الظلم بصبر”.
الخبراء: “القانون الجديد قابل للتنفيذ في 8 بنود فقط”
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي الدكتور وليد جاب الله إن القانون الجديد “سهل وواضح”، ويمكن حل أزمة عمرها عقود عبر 8 بنود تشريعية فقط. مشيدًا بدور القيادة السياسية في فتح هذا الملف الشائك بعد عقود من التجميد والتجاهل.
وأكد أن الدولة لديها الحلول والبدائل المناسبة للمستأجرين، عبر توفير سكن بديل أو دعم مالي مباشر.
وأشار إلى أن:”دخول الدولة كطرف في الحل أمر حتمي، فلا يمكن تسعير الإيجارات جبريًا لطرف وحرًا لطرف آخر. لا بد من عدالة”.
الخلو والإرث الاشتراكي.. تشوهات قانونية قديمة
استعرض جاب الله تاريخ قانون الإيجار القديم، مشيرًا إلى أن “الخلو” انتهى فعليًا منذ الثمانينات، وأن كثيرًا من العقود الحالية لم تُبنَ على اتفاق رضائي، بل وُلدت في بيئة قانونية استثنائية ترجع لعقود مضت.
وأضاف: “نحن لم نعد في دولة اشتراكية، بل في اقتصاد حر يتطلب إعادة النظر في هذه القوانين وفقًا للعدالة والواقع”.

محمود سويلم: الإيجار القديم لم يعد منطقيًا في عصرنا
أكد المحامي محمود سويلم، رئيس اللجنة القانونية بحزب الوعي، أن بقاء قانون الإيجار القديم “ظلم وجور”، وأنه آن الأوان لتشريح العقود القديمة وفق معايير القيمة العادلة.
وأشار إلى أن: “القانون كان استثنائيًا لظروف تاريخية. اليوم نحن في مرحلة جديدة، ولا يصح أن تبقى شقة في وسط البلد بإيجار 10 جنيهات بينما أسعار السوق تضاعفت عشرات المرات”.
وشدد سويلم على أن تطبيق القانون سيحقق للدولة عائدًا ضريبيًا كبيرًا، بعد تحرير القيمة الإيجارية رسميًا.
دعوات لمراعاة البعد الاجتماعي.. لا للإخلاء قبل البديل
رغم التأييد الواسع من النواب للملاك، حذّر عدد من القانونيين والخبراء من تبعات اجتماعية وإنسانية خطيرة في حال تنفيذ القانون دون ضمانات حقيقية للمستأجرين محدودي الدخل.
وطالبوا بأن تتضمن التعديلات إلزامًا قانونيًا بعدم تنفيذ أي قرارات إخلاء قبل توفير سكن بديل مناسب أو دعم مالي مباشر، خاصة لكبار السن والأسر المعيلة.
نقطة فاصلة في التاريخ التشريعي؟
يُنظر إلى قانون الإيجار القديم الجديد على أنه أحد أخطر وأهم القوانين التي مر بها مجلس النواب في تاريخه الحديث، حيث ستمتد تأثيراته لملايين المواطنين، وتنعكس مباشرة على ملفات الإسكان والعدالة الاجتماعية وتنشيط السوق العقاري.
ورغم الخلافات الحادة، إلا أن هناك إجماعًا على أن الوضع الحالي لا يمكن أن يستمر، وأن القانون الجديد – برغم التحديات – قد يكون الخطوة الأولى نحو إصلاح منظومة الإسكان في مصر بشكل عادل ومتوازن.





