
في مايو 2025، انفجرت واحدة من أكبر القضايا التي تمس العلاقة بين الدولة الفرنسية والجالية المسلمة، بعدما تسرّب تقرير حكومي سري يُحذّر من “تنامي نفوذ جماعة الإخوان المسلمين” داخل مؤسسات المجتمع الفرنسي، التسريب لم يكن مجرد وثيقة خرجت للعلن، بل كشف عمق التوتر داخل الحكومة الفرنسية حيال ظاهرة “الانفصالية الإسلامية” التي باتت تؤرق قصر الإليزيه منذ سنوات.
فما مضمون هذا التقرير؟ ولماذا أثار كل هذا الجدل؟ وما أبعاد نفوذ الجماعة في فرنسا؟ وهل بات الإخوان خطرًا فعليًا على الجمهورية الخامسة، أم أن ما يحدث محاولة لتأطير الإسلام السياسي ضمن خطط سياسية وأمنية أكبر؟
أولًا: خلفية التقرير وتسريبه :-
في أبريل 2025، تم تسريب تقرير أعدته وحدة مكافحة التهديدات الداخلية التابعة لوزارة الداخلية الفرنسية، بطلب مباشر من الرئيس إيمانويل ماكرون. التقرير جاء في أكثر من 80 صفحة، ويقدم خريطة دقيقة لأذرع جماعة الإخوان المسلمين في فرنسا، متهمًا إياها بالسعي إلى “بناء مجتمع موازٍ” داخل الدولة.
أبرز ما ورد في التسريب:
- تحديد نحو 147 جمعية ومؤسسة مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالإخوان.
- الإشارة إلى هيمنة الجماعة على أكثر من 60 مسجدًا ومركزًا دينيًا.
- التنويه إلى “الإسلاموية البلدية” كخطر ناشئ، يتمثل في دعم مرشحين في الانتخابات البلدية لخدمة أجندة الجماعة.
ورغم أن التقرير سري، إلا أن تسريبه للصحافة (خصوصًا صحيفة Le Journal du Dimanche) أشعل فتيل أزمة داخل الحكومة، حيث اتُّهم وزير الداخلية برونو ريتايو بأنه سرّب التقرير لدعم خطه المتشدد ضد الجماعات الإسلامية قبيل تعديل وزاري متوقع.
ثانيًا: الإخوان في فرنسا – شبكة نفوذ ممتدة :-
1. تاريخ التأسيس
بدأ نفوذ الجماعة في فرنسا منذ خمسينيات القرن الماضي، حين لجأ عدد من قيادات الإخوان من مصر وسوريا إلى باريس هربًا من الملاحقات الأمنية. وفي العقود التالية، تم بناء شبكة من المؤسسات التي تتراوح بين الجمعيات الثقافية، والمدارس الإسلامية، والمراكز الاجتماعية.
- أبرز الكيانات المرتبطة
- اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا (UOIF) – أُسس في الثمانينات، ويعد الذراع الأهم للجماعة.
- Musulmans de France – الاسم الجديد للاتحاد بعد إعادة هيكلته لتقليل الحساسيات الرسمية.
- مدارس خاصة مثل “ابن رشد” في ليل و”الهدى” في باريس.
- شخصيات فكرية وإعلامية مؤثرة، تنشط في الدفاع عن قضايا الجالية المسلمة وتروج لرؤية الهوية الإسلامية العابرة للحدود.
-
التمويل الخارجي
يتحدث التقرير عن تدفق تمويلات كبيرة من قطر وتركيا إلى الجمعيات والمراكز المرتبطة بالإخوان. وقد أشار التقرير إلى أن بعض هذه التمويلات استخدمت لشراء عقارات دينية، ولتمويل حملات ضغط سياسي على المستوى المحلي.
ثالثًا: ملامح الخطاب الإخواني في فرنسا
تُتَّهم الجماعة باتباع خطاب مزدوج:
- خارجيًا: تبنّي قيم العلمانية والتعايش والمواطنة.
- داخليًا: التحريض على الانفصال الثقافي، وربط المسلمين بـ”أمة إسلامية عالمية”، وتكريس فكرة المظلومية والتمييز.
وقد أشار التقرير إلى خطب ألقاها بعض الأئمة في ضواحي باريس تُقدَّم فيها فرنسا بوصفها دولة “تحارب الإسلام”، ما يعزز الانقسام ويقوّي مشاعر العزلة بين الشباب المسلم.
رابعًا: رد الفعل الحكومي
1. غضب ماكرون
الرئيس الفرنسي عبّر عن غضبه في اجتماع خاص لمجلس الدفاع، حيث وبّخ وزراءه واتهم بعضهم بـ”التراخي” في مواجهة التمدد الإخواني، مطالبًا بتحرك حاسم وعاجل.
-
تصعيد سياسي متوقع
من المتوقع أن تتجه الحكومة في يونيو المقبل إلى إعلان حزمة إجراءات جديدة، من أبرزها:
- مراجعة وضع عشرات الجمعيات الإسلامية.
- وقف تمويلات عامة لمؤسسات ثبت ارتباطها بأجندات خارجية.
- فرض رقابة على المدارس الخاصة الإسلامية.
-
انقسام داخل الحكومة
بعض وزراء الحكومة، خصوصًا من الجناح اليساري، حذروا من شيطنة كل ما هو إسلامي، داعين إلى الفصل بين “المتدينين المعتدلين” والتيارات السياسية.
خامسًا: ردود الفعل المجتمعية والسياسية
-
من داخل الجالية المسلمة
- بعض الأصوات في الجالية رفضت التقرير واعتبرته موجهًا سياسيًا، لا يستند إلى وقائع فعلية.
- آخرون، خصوصًا من الجيل الثالث والرابع من المسلمين الفرنسيين، دعوا إلى إنهاء احتكار الجماعة للتمثيل الإسلامي، والمطالبة بإسلام فرنسي علماني معتدل.
- من جانب المعارضة
أحزاب اليمين المتطرف مثل “التجمع الوطني” بزعامة مارين لوبان استغلت التقرير للمطالبة بحظر جماعة الإخوان رسميًا في فرنسا، ووصفت ماكرون بأنه “ضعيف ومتردد”.
سادسًا: الإخوان والانتخابات المحلية – “الإسلاموية البلدية”
من أخطر ما كشفه التقرير هو محاولة الجماعة التأثير في الانتخابات المحلية عبر دعم مرشحين محسوبين عليها في بعض البلديات ذات الأغلبية المسلمة، خاصة في الضواحي الباريسية ومناطق مثل ليون ومارسيليا.
هذه الظاهرة تُعرف بـ”الإسلاموية البلدية”، وتهدف بحسب التقرير إلى تشكيل جزر حكم محلي تدين بالولاء للجماعة، وتعيد تشكيل السياسات الثقافية والتعليمية بما يتوافق مع رؤيتها.
سابعًا: دراسات حالة واقعية
-
مسجد “الهدى” – مارسيليا
خضع للتحقيق بعد اكتشاف أن خطب الجمعة فيه تحض على العزلة وعدم الاندماج، وتم ربطه بجمعية تلقت تمويلًا من مؤسسة قطرية.
-
مدرسة “ابن رشد” – ليل
تم توقيف دعم حكومي عنها بعد كشف مضامين تدريس تُرسّخ القيم الدينية المحافظة بشكل يناقض القيم الجمهورية، وتعيين معلمين تلقوا تدريبهم في تركيا.
-
جمعية “الشباب المسلم الأوروبي”
نشطت في تنظيم فعاليات مؤيدة لمواقف الجماعة الأم، وجرى التحفظ على حساباتها البنكية ضمن تحقيقات بتلقي تمويل خارجي غير معلن.
خاتمة:- ما بين الحريات والأمن
يثير تسريب التقرير الفرنسي جدلاً مستمرًا حول كيفية الموازنة بين حماية الحريات الدينية والتصدي لاختراقات أيديولوجية تهدد وحدة الجمهورية. وبينما تسعى الحكومة إلى فرض رقابة أكثر صرامة، تجد نفسها في مواجهة معضلة أخلاقية: كيف نواجه الإسلام السياسي دون شيطنة المسلمين؟
الجماعة من جهتها لن تظل مكتوفة الأيدي، وهي تمتلك من الأدوات ما يسمح لها بإعادة التموضع، خاصة عبر الإعلام ومؤسسات العمل الخيري. لكن الثابت أن فرنسا تدخل مرحلة جديدة من العلاقة المتوترة مع تيارات الإسلام السياسي، عنوانها: المواجهة الناعمة… ولكن الصريحة.





