
مع تطور الأدوات التقنية خلال العقد الأخير، لم تعد الجماعات المتطرفة تركز فقط على مضمون رسائلها الدعائية، بل توسعت في التفكير بالوسيلة واللغة وفي قارة إفريقيا، حيث تتعدد اللغات واللهجات، أدركت هذه التنظيمات أن اختراق الحواجز الثقافية يتطلب التواصل المباشر بلغة المستهدفينمدعومة بالطفرة الهائلة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، باتت هذه الجماعات قادرة اليوم على إنتاج محتوى محلي الطابع، قابل للانتشار والتأثير، بطرق لم تكن ممكنة سابقًا .
وهنا تبرز أسئلة محورية … هل ستصبح كل لغة محلية قناة مفتوحة لنشر التطرف؟ وهل يمكن مواجهة هذا الزحف التقني-الثقافي؟
أولًا: تحولات استراتيجية الدعاية الإرهابية
منذ نشأتها، اعتمدت الجماعات المتطرفة مثل القاعدة وداعش على العربية الفصحى أو الإنجليزية للوصول إلى جمهورها لكن مع انتشار عملياتها في إفريقيا، اصطدمت بواقع لغوي وثقافي مختلف ففي دول مثل نيجيريا، يتحدث أكثر من 80 مليون شخص لغة الهوسا، بينما يستخدم أكثر من 100 مليون لغة السواحيلية في شرق القارة .
في عام 2021، بثت “ولاية غرب إفريقيا” التابعة لداعش مقاطع مصورة مترجمة بالكامل إلى الهوسا والفولانية، تضمنت مشاهد دعائية من معسكرات تدريب وعروضًا لمقاتلين يؤدون البيعةهذه المقاطع لم تُترجم فقط بل استُخدمت فيها لهجات محلية مألوفة لدى الجمهور المستهدف، مما زاد من فعاليتها.
ثانيًا: أدوات الذكاء الاصطناعي — من الترجمة إلى الاستنساخ الصوتي
تحويل النصوص إلى كلام (Text-to-Speech)
تسجيلات صوتية باللهجات الإفريقية فى هذا الإطار رصدت السلطات النيجيرية في 2022 تسجيلًا صوتيًا يدعو للجهاد في لغة الهوسا، بصوت يُشبه صوت أحد الأئمة المعروفين في مدينة كاتسينا، ما أثار بلبلة كبيرة بين السكان قبل أن يتم التأكد من التزييف
الترجمة الآلية الذكية
مشروع M2M-100 من شركة Meta سمح بالترجمة المباشرة بين لغات مثل الهوسا والسواحيلية دون المرور بالإنجليزية استخدم هذا النظام في قناة على “تيليغرام” من قبلحركة الشباب، حيث نُشرت مقالات دعائية مترجمة إلى السواحيلية تلقائيًا، واستُخدمت في إعادة تدوير محتوى أيديولوجي سبق تداوله
-استنساخ الأصوات (Voice Cloning)
في الصومال، وثقت جهات بحثية في 2023 تسجيلًا صوتيًا بُث عبر شبكات مغلقة، يُظهر صوتًا مشابهًا جدًا لقائد محلي مؤيد للحكومة، يهاجم فيها الجيش الصومالي بعد فحص فني، تبين أن الصوت تم إنتاجه عبر أدوات استنساخ صوتي بالذكاء الاصطناعي، مما كشف عن مستوى جديد من التضليل الموجه
ثالثًا: الأثر الاجتماعي والنفسي لاستخدام اللغات المحلية
كسر الحواجز النفسية
في دراسة ميدانية أجرتها منظمة “Search for Common Ground” في نيجيريا عام 2022، تبين أن الشباب الذين تعرضوا لمحتوى دعائي بلغة الهوسا شعروا بأن الرسالة “من داخل مجتمعهم” وليس من طرف خارجي، مما عزز تقبلهم لبعض المفاهيم المطروحة، حتى دون اقتناع أيديولوجي كامل
2)تعزيز شعور الانتماء الزائف
في كينيا، استخدمت حركة الشباب مقاطع مرئية تسرد روايات مأساوية لعائلات فقدت أبناءها في النزاعات، بلغة سواحيلية مغموسة بمصطلحات محلية دينية، مما أضفى على التنظيم صورة “المدافع ” لا “المُهاجم”.
3)تسريع عمليات التجنيد
في النيجر لوحظ في عام 2022 تصاعد عمليات التجنيد في المناطق الحدودية بعد بث تسجيلات دعائية بالفولانية، استهدفت فئات عمرية تتراوح بين 15 و22 عامًا معظم هذه الرسائل احتوت على وعود بحماية الشرف وتوفير الأمان، مستخدمة لهجات تخلق شعورًا بالتقارب
رابعًا: دراسات حالة — إفريقيا كنموذج
شمال نيجيريا: الهوسا كلغة جهادية جديدة
في أبريل 2023، بثّت جماعة “ولاية غرب إفريقيا” فيديو بعنوان “حماة الدين في بلاد الهوسا”، استُخدمت فيه عبارات تقليدية تُستخدم في المناسبات الاجتماعية، مثل “الحمد لله الذي جمعنا في الخير” و”الدين عِزّ”، مما منح الرسالة قبولًا اجتماعيًا في أوساط الريف النيجيري
شرق إفريقيا: السواحيلية في خدمة التطرف
في نفس العام أطلقت حركة الشباب حملة دعائية إلكترونية بعنوان “UmojawaUmmah” (وحدة الأمة) عبر قنوات سواحيلية على تيليغرام ويوتيوب، حاكت فيها برامج محلية شعبية، من خلال قصص تحفيزية تروّج للجهاد ضد “أعداء الإسلام” أثبتت تلك الحملة فاعلية ملحوظة في استقطاب فئات جديدة من الشباب العاطلين عن العمل
خامسًا: التحديات الأمنية الجديدة
رصد المحتوى باللهجات المحليةمعظم أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة من قبل الحكومات لا تزال عاجزة عن التعامل مع اللغات الإفريقية النادرة.
نقص الخبرات المتخصصة ..قلة عدد المترجمين والمحللين المختصين بالهوسا والفولانية والسواحيلية يضعف القدرة على التصدي السريع للمحتوى المتطرف
المرونة الدعائية للجماعات ..استخدامهم لتقنيات مثل الاستنساخ الصوتي والترجمة الآلية يسمح لهم بالتحرك أسرع من قدرة أدوات الرصد على الرد أو التصحيح
سادسًا: كيف نواجه هذا التهديد؟
بناء قواعد بيانات لغوية شاملة..يجب تطوير بنوك بيانات للهجات الإفريقية مدعومة بأنظمة تعلم آلي تميز بين الاستخدامات الثقافية والدعاية الجهادية
إنشاء وحدات رصد لغوي إلكتروني .. تتعاون مع جامعات محلية وخبراء لغويين لمتابعة المحتوى بشكل يومي
إطلاق حملات مضادة ذكية.. تُنتج بلغة المستهدفين، وبأسلوب يمزج بين الدين والثقافة المحلية لتحصين الفئات المعرضة للخطر
تفعيل الشراكة المجتمعية..دعم الأئمة المحليين، وشيوخ القبائل، والمنظمات الأهلية لنشر خطاب بديل قائم على الانتماء الحقيقي
تتغير طبيعة الحرب الفكرية بوتيرة تتجاوز قدرة الأنظمة التقليدية على المواكبةلم يعد السلاح ولا اللغة الفصيحة بديل وحلا اليوم، المعركة تدور في ساحة اللهجات المحليةحيث يتسلل دعاة العنف إلى البيوت من خلال الذكاء الاصطناعي ولذلك، فإن السؤال الأكبر الذي يجب أن نواجهه هو:
هل نملك الأدوات والخطط لحماية لغاتنا من أن تُختطف وتُستخدم ضدنا؟
فالإجابة على هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت إفريقيا ستبني جدارًا ثقافيًا ضد التطرف، أم ستفتح أبوابها لصراعٍ لغوي جديد.





