
في مشهد يعكس مدى تعمّق إسرائيل في المشهد السوري وتحكمها في تفاصيله، ألقت الطائرات الإسرائيلية، يوم أمس، منشورات ورقية فوق قرية كويا في الريف الغربي لمحافظة درعا. جاءت هذه المنشورات لتحذر السكان من حمل السلاح والتوجه نحو حوض اليرموك، مستخدمة لغة سلطوية تعكس محاولة فرض هيمنة نفسية على الأهالي. لكن السؤال الأهم هنا: من الذي يكتب هذه المنشورات؟ ومن هم الأشخاص الذين يقفون خلف هذه الرسائل الموجهة بدقة إلى المجتمعات العربية؟
فريق مختص في الجيش الإسرائيلي
يعود إعداد هذه المنشورات إلى وحدة الإعلام العربي في الجيش الإسرائيلي، التي يشرف عليها الناطق الرسمي أفيخاي أدرعي، وهو شخصية معروفة بتواصله المستمر مع الجمهور العربي عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. هذه الوحدة تضم مجموعة من الضباط والخبراء في الشؤون العربية، بعضهم من أصول عربية، وآخرون تعلموا اللغة العربية في مؤسسات تعليمية متخصصة، مثل جامعة تل أبيب أو وحدات التدريب اللغوي في الجيش.
يتم اختيار أفراد هذه الوحدة بعناية، بناءً على قدرتهم على فهم الثقافة العربية، والتحدث باللهجة المحلية بطريقة تبدو طبيعية، مما يسمح لهم بصياغة رسائل تتناسب مع البيئة المستهدفة. بعض هؤلاء الخبراء تلقوا تدريبات مكثفة في تحليل السلوكيات الاجتماعية والنفسية للجماهير العربية، مما يتيح لهم تحديد الكلمات والعبارات الأكثر تأثيرًا في الجمهور المستهدف.
أبعاد الحرب النفسية في هذه المنشورات
لا تقتصر المنشورات الإسرائيلية على التحذيرات العسكرية، بل تهدف أيضًا إلى خلق حالة من البلبلة والخوف بين السكان. إذ تعتمد هذه المنشورات على استراتيجيات الحرب النفسية، التي تستهدف إثارة الشكوك بين المواطنين، وزرع مشاعر العجز أمام القوة الإسرائيلية.
على سبيل المثال، في الحرب الأخيرة على غزة، ألقت إسرائيل منشورات تتضمن تهديدات مباشرة للسكان، تدعوهم إلى إخلاء منازلهم تحت ذريعة “حمايتهم”، في محاولة لجعلهم يشعرون بأن المقاومة الفلسطينية قد تخلّت عنهم. وفي لبنان، استخدمت إسرائيل المنشورات لتوجيه رسائل تحذيرية لحزب الله، عبر نشر معلومات استخباراتية تزعم معرفتها بتفاصيل تحركات عناصر الحزب.
دور الموساد في صياغة الرسائل
رغم عدم وجود معلومات مؤكدة حول تورط جهاز الموساد في كتابة هذه المنشورات، فإن طبيعة الرسائل تشير إلى وجود مستشارين أمنيين من مستويات عليا في صياغتها. فمن المعروف أن الموساد الإسرائيلي متخصص في العمليات النفسية والاستخباراتية التي تهدف إلى التأثير على مجتمعات بأكملها، وليس فقط أفراد بعينهم. كما أن بعض المنشورات تتضمن معلومات دقيقة حول الأوضاع الداخلية، وهو ما يعكس عمق الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي للمنطقة.
أبرز المنشورات السابقة وتأثيرها
قطاع غزة: خلال العدوان الإسرائيلي الأخير، ألقيت منشورات تهدد السكان بفرض التهجير القسري إذا لم يغادروا مناطقهم، مستخدمة عبارات دينية لتبرير هذه الإجراءات.
جنوب لبنان: استخدمت إسرائيل منشورات تحاول التأثير على معنويات مقاتلي حزب الله، من خلال الإيحاء بأن قادتهم يتركونهم في مواجهة المصير وحدهم.
الجولان السوري المحتل: شهدت المنطقة حملات إعلامية عبر منشورات تحذيرية للسكان المحليين بعدم التعاون مع الجيش السوري، وهو ما يعكس محاولة إسرائيلية دائمة لخلق فجوة بين الشعب والسلطة.
ردود الفعل على هذه المنشورات
في كثير من الأحيان، لم تؤدِّ هذه المنشورات إلى التأثير المطلوب، بل على العكس، خلقت حالة من العناد والمقاومة الشعبية ضد الاحتلال. ففي غزة، كانت هذه المنشورات بمثابة دليل إضافي على رغبة الاحتلال في فرض سياسة التهجير القسري، مما عزز من التمسك بالبقاء. وفي لبنان، تجاهل السكان التحذيرات الإسرائيلية، معتبرين إياها جزءًا من الحرب النفسية التي تمارسها تل أبيب منذ عقود.
تعكس المنشورات الورقية التي يلقيها الجيش الإسرائيلي سياسة قديمة جديدة تعتمد على الدعاية والحرب النفسية، بهدف التأثير على وعي السكان في مناطق النزاع. ورغم كل المحاولات لصياغة رسائل تبدو وكأنها تأتي من مصدر “مطلع” أو “حريص على السكان”، فإن الشعوب العربية في معظم الأحيان تدرك الهدف الحقيقي من هذه الرسائل، ما يجعل تأثيرها محدودًا أو حتى عكسيًا. يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى تطور هذه الحملات في المستقبل، وما إذا كانت ستظل تقتصر على المنشورات الورقية، أم ستأخذ أشكالًا جديدة أكثر تطورًا وتأثيرًا.





