Wednesday، 04 March 202609:44 AM
آراء حرة

محمد الجوهري يكتب: في حضرة الوشق… تهاوى أمن الاحتلال

السبت، 22 مارس 2025 08:25 مساءً
محمد الجوهري يكتب: في حضرة الوشق… تهاوى أمن الاحتلال
image-1742667879
15

زئير البرية يخترق حصون الاحتلال.. لا ملاذ للغاصب حتى من الطبيعة

في الريف المصري، كانت جدّتي تقول: «الأرض عرض» لم نكن نفهم حينها عمق تلك العبارة، حتى رأينا كيف أن الأرض التي تُهان، تُمهل ولا تُهمل، تنتظر لحظة نادرة، كي تُعيد التوازن بمعاييرها الخاصة. وفي خضم واقعٍ يتأرجح بين المأساة والسخرية السوداء، جاء الوشق المصري، كصفعة، كصرخة جاءت من عمق البرية، كي توقظ فينا ذلك السؤال القديم: من حقًا يملك هذه الأرض، ومن الغريب فيها؟

 

«كل شيء يمضي… إلا الوجع المتجذّر في ذاكرة الأرض»

كان يمكن للخبر أن يمرّ عابرًا: «وشق مصري يتسلل إلى موقع لجيش الاحتلال، يهاجم جنودًا ويُصيبهم»، مجرد فقرة في نشرة الأخبار. لكن، حين نتأمل السياق، نجد أنفسنا أمام نصّ رمزي كثيف، يتقاطع مع مرويات الذاكرة الجمعية، ويُعيد فتح الجدل الفلسفي حول «الحق» و«القوة»، حول «الاحتلال» و«المقاومة»، حول «الطبيعة» التي ترفض التزييف، حتى لو مرّ عليه زمن.

«يُخيّل إليّ أن الأرض تُحب الانتقام أكثر مما تُحب الغفران» – هكذا كتب نجيب محفوظ في تأملاته الصوفية، وكأن الزمن يعيد تشكيل هذه العبارة أمامنا.

لكن، أي معنى لهذا الحدث، في خضم المأساة الأكبر؟ أليس ذلك نوعًا من «التفاصيل الصغيرة» التي تبهت أمام فظاعة الاحتلال ذاته؟ ربما. وربما يكون هذا الحدث الضئيل، هو بالضبط ما نحتاجه لتذكّر أن الاحتلال، مهما تزيّن بالتقنية والهيمنة، يظل هشًّا أمام مفاجآت الوجود… أمام شراسة الوشق، أو غناء عصفور، أو دمعة أم.

لقد تعرّى الاحتلال في هذه الحادثة، كيان يُحاصر شعبًا أعزل، يقيم الأسوار، ينشر أجهزة المراقبة، يبتكر الذكاء الاصطناعي لتنبؤ أي حركة، ثم… يهزمه وشق. حيوان بري يعبر الحدود، يهاجم، ويصيب، ويُربك منظومة عسكرية كاملة. أي عبثٍ هذا؟ أم لعلّه تجلٍ لحقيقة كُنا نرفضها، أن الاحتلال، رغم قوته الظاهرة، هشّ… هشّ أمام ما لا يتوقع، أمام ما لا يُخطَّط، أمام الطبيعة التي لا تُهادن.

في التراث الصيني القديم، ثمة حكاية عن إمبراطورٍ ظنّ أنه يملك الأرض، حتى جاءه تنّين من الجبال، لا ليهزمه بسيف، بل ليُظهر له عجزه أمام «الوجود». والوشق المصري، في هذه الواقعة، لم يكن سوى «تنّين مصر» الصغير. كائن لا يقرأ خرائط الاحتلال، ولا يعترف بشرعية جنديٍ فوق أرضٍ مسروقة.

تخيل أن تكون جنديًا في جيش الاحتلال، محصّنًا، مُدجّجًا بالسلاح، ثم تُفاجأ بحيوان يهاجمك من العدم. ليس جيشاً نظاميًا، لا مقاومًا بشريًا، بل صوت الطبيعة، صرختها العارية. كيف ستقرأ هذا الحدث؟ وكيف سيقرأه الضمير الحي في العالم؟

السردية الكبرى للاحتلال، دائمًا ما اعتمدت على فكرة «التفوق»، التفوق الأخلاقي، العسكري، التكنولوجي. ثم جاء الوشق ليقول: أنتم لا تملكون هذه الأرض، ولا حتى السيطرة عليها. فحتى حيواناتها تُقاومكم، حتى براريها ترفضكم.

الحدث، بهذا المعنى، لا ينفصل عن حكايات «الحجارة» في الانتفاضة، حين صارت يد طفلٍ صغير هي التي تُربك الجندي المدجّج. الآن، الأرض ذاتها — عبر أحد مفترساتها — تواصل هذا السرد الرمزي، أن كل قيدٍ مصيره الزوال، وكل قهرٍ، سيخرج عليه ما يُفاجئه… ولو كان وشقًا.

ربما، لو قُدّر لمحمود درويش أن يشهد هذا المشهد، لقال: «من قال إن الأرض لا تشتهي أن تنتقم؟»، بينما كان نيتشه سيبتسم في سخرية القدَر قائلًا: «كل من ينظر طويلًا في البرية، قد تنهشه في لحظة».

إنها ليست قصة وشق عضّ جنديًا، بل قصة أرض استعارت لُغة الحيوان لتقول كفى. هو أشبه بتناص ثقافي مع الحكايات القديمة عن لعنة الملوك الذين لم يصغوا لصوت الريح، ولا لصمت الأشجار. لعنة لا تحتاج إلى جيش، بل إلى ومضة من الطبيعة، تعيد بها التوازن المفقود

بل لعلّنا نعود إلى الموروث المصري الأقدم، إلى نصوص «الخروج في النهار»، حيث الموت ليس نهاية، بل انتقال، حيث أرواح الأجداد تُبعث لتُقاوم المفسدين. فهل كان الوشق تجلٍّ لتلك الأرواح؟ هل كان رسالة من أجدادنا الذين حرّروا أرضهم من الغزاة، بأنهم لم ينسوا، وأن الوعد لا يُنسى؟

الاحتلال، اليوم، في مأزق فلسفي، لا عسكري فحسب. إذ أن الأرض نفسها بدأت تُقاومه بوسائلها، زلازل، أمطار، حرائق، ووشق. وكأننا أمام لحظة إعادة الحساب، لحظة «المساءلة الطبيعية» التي لا تحتاج إلى محكمة دولية.

في حكاياتنا الشعبية، لطالما آمن الفلاحون أن «الحق ما يضيع… حتى لو استنطق الحجر». واليوم، ربما استنطق الوشق. وربما كل صمتٍ يحمل في أحشائه زمجرة لم تأتِ بعد.

وأسأل نفسي مجددًا: لماذا أثّر فينا هذا الحدث البسيط؟ لأنه يفتح جرحًا لم يُشفَ. لأننا، شعوب لا ننتظر انتصارات كبرى بقدر ما ننتظر رموزًا، إشارات، ولو من الطبيعة. لأنها تقول لنا: أن القهر لا يدوم. أن حتى في عزّ الليل، ثمة وشق يتسلل، يُهاجم، ويذكّرنا… أن الاحتلال، مهما طال، غريب. غريب عن الأرض، عن الزمن، عن اللغة.

غريب… كما الغريب الذي لا يملك إلا الرحيل، في النهاية.