Wednesday، 04 March 202609:35 PM
آراء حرة

محمد الجوهري يكتب: الدراما في فكر الرئيس السيسي.. قوة ناعمة لصناعة الوعي وحماية هوية الوطن

الأربعاء، 19 مارس 2025 09:58 مساءً
محمد الجوهري يكتب: الدراما في فكر الرئيس السيسي.. قوة ناعمة لصناعة الوعي وحماية هوية الوطن
محمد الجوهري – كاتب صحفي
15

كل ليلة يجلس الناس على مقاعدهم, تتشابك الأيدي فوق الأرائك، وتتلاقى النظرات عند تلك الشاشة التي صارت مع مرور الوقت، أكثر من نافذةٍ تُطل على العالَم, هناك، في ذاك المستطيل المضيء، تولد الحكايات وتُروى، وتُبثّ الكلمات، وتُستعاد لحظات من واقعٍ يشبهنا، أو قد لا يشبهنا، لكننا نجد فيه أنفسنا كما لم نرها من قبل.

الدراما ليست ترفًا نلجأ إليه حين تضيق بنا سبل الحياة، وليست تسليةً تُملأ بها ساعات الفراغ، بل هي طقس إنساني عميق، فيه نتصالح مع ذواتنا، ونتأمل ما عجزنا عن التعبير عنه، وتصبح الحكاية التي تُروى على لسان ممثلٍ فوق خشبة أو خلف شاشة، كأنّها حكايتنا نحن، بصراعاتنا، بأحلامنا، بجراحنا التي لم تندمل, الدراما، ببساطة، هي الوجه الآخر للحياة؛ الوجه الذي يملك الجرأة أن يقول ما نخشى قوله، أن يُظهر ما نخفيه، أن يُربّت على الروح حين تُثقلها المتاعب، أو يُشعل في القلب شمعة حين يستبد به الظلام.

ليست الدراما في جوهرها سوى صورةٍ أخرى من صور الإنسان، ذلك الكائن المأخوذ بشهوة الحكي، الباحث دومًا عن مرآةٍ يرى فيها ملامحه، ولو مشوهة، المهم أن يراها, الإنسان بطبيعته يميل إلى الحكاية، لا ليستمع فحسب، بل ليفهم ذاته والعالم من حوله، أن يُمسك بزمام المعنى، في ظلّ وجودٍ تتقاذفه التناقضات، وتغمره الحيرة, والدراما، بما تحمل من رموز وتفاصيل، تمنح العقل لحظة تأمل، وتُسهم في استنطاق الجوانب المعتمة من النفس، وتحريرها من إسار الكتمان, هي البوح حين لا يُجدي الصمت، والصرخة حين تخون اللغة.

في علم النفس، حيث تنصهر المشاعر والأفكار، يُدرك العارفون أن الدراما فعلٌ تطهيري، يمسّ أعماق الوجدان، تُحرك فيها الشخوصُ شجونَ المتفرّج، يُحبّ ويكره، يتعاطف ويشمئزّ، ويتورط دون أن يدري في معركةٍ نفسيةٍ عنيفةٍ مع ذاته، ثمّ لا يلبث أن يُعيد ترتيب منظومته القيمية، يُراجع مواقفه، ويُعيد النظر فيما كان يحسبه ثابتًا، فإذا به يخرج من تجربته الدرامية إنسانًا آخر، أكثر وعيًا، أشدّ بصرًا، وأقوى قلبًا.

ثم إنّ الدراما ليست فردية التأثير، بل هي اجتماعية الجوهر، حين تُبثّ، لا تُبثّ لمُشاهدٍ واحد، بل لمجتمعٍ كامل، فتُشكّل وعيه، وتُعيد صوغ ثقافته، وتُعيد إنتاج قضاياه، هي خطابٌ جمعيّ، تُمارس فيه الجماعة طقسها في فهم ذاتها، وقد عرف علماء الاجتماع أن الدراما تُعيد إنتاج القيم، إمّا بالحفاظ على الموروث، أو بالتشكيك فيه، أو بإسقاطه لصالح قيم جديدة، وعلى هذا، فإنّها أداة تغيير، وأداة تثبيت، وأداة تحريض في آنٍ معًا، ومن هنا خطورتها، ومن هنا عظمتها.

ولأنها بهذا التأثير وهذا التوغّل، لم يكن غريبًا أن يستشعر السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي خطورتها وعمق أثرها، فجعل منها محورًا في خطاب النهضة، وأداة في معركة الوعي، ففي زمنٍ كثُرت فيه وسائل التضليل، وصار الباطل يُزيَّن بلبوس الحق، ويُروّج له بألسنةٍ فصيحة، كانت الحاجة ملحة إلى دراما صادقة، تحمل رسالة بناء، لا معاول هدم، ترفع من شأن الإنسان، لا تسفّه أحلامه، تروي له قصة الوطن لا على سبيل التهويل أو التهوين، بل على سبيل الحق الذي لا يميل.

لم يكن حديث الرئيس عن الدراما حديثًا عابرًا، بل كان حديث قائدٍ يُدرك أنّ المعركة الكبرى هي معركة الوعي، وإنّ الظفر في هذه المعركة يتمّ بالإقناع، بالفكرة، بإعادة بناء الإنسان، والدراما، بسلطانها الناعم، لها أن تفعل ما لا يفعله القانون، ولها أن تخلق المواطن الذي يحيا على بصيرة، ويعرف لدوره قدره، ولمجتمعه حقّه.

ومن هنا، كانت دعوته إلى دراما تليق بمصر وتاريخها، وتليق بالإنسان المصري في عظمته، وصبره، ونبله، دراما لا تُصالح الرداءة، ولا تُبرر السقوط، ولا تُروّج للفساد، بل تُحارب ذلك كله، بصدقٍ لا يعرف التزييف، وبفنٍّ لا ينحني لغير الجمال والحق.

لقد آن لهذا الوطن أن يُمسك بزمام فنه، وأن يُوجّه دراماه لتكون في خدمة وعيه، لا في خدمة المتاجرين بوجعه، آن لنا أن نُعيد إلى الدراما هيبتها، وأن نُخلّصها من إسفافٍ شوهها، وأن نُعيدها إلى مكانتها كرافعةٍ حضارية، لا كوسيلة لهو، الوطن بحاجة إلى فنٍّ يُشكّل وجدان الأجيال، ويُهذّب الشعور، ويُرشد الفكر، ويُقدّم النموذج، لا أن يُهلِك القيم، ويُحرّض على الشك، ويُرسّخ اليأس.

الدراما ليست مشهدًا ينتهي بإغلاق الشاشة، بل هي فعلٌ باقٍ في الوجدان، أثرٌ لا يُمحى، وبذرةٌ تُنبت وعيًا أو ضلالًا، فلنختر أيّ بذرة نزرع، وأيّ أثرٍ نترك، وأيّ وطنٍ نُريد أن نُخلّد في ذاكرة الفن والتاريخ.