Saturday، 14 March 202609:28 PM
آراء حرة

محمد الجوهري يكتب: يمكن الوقت يفاجئنا

الجمعة، 14 مارس 2025 07:27 مساءً
محمد الجوهري يكتب: يمكن الوقت يفاجئنا
محمد الجوهري – كاتب صحفي
15

تأملات نفسية في مفاجآت الزمن، وحكمة اللحظة التي لم تكن في الحسبان، كانت تجلس في مقهى صغير على أطراف المدينة، الوقت يقترب من المساء، ورائحة القهوة السوداء تعبق في المكان كأنها تحاول الإمساك بما تبقى من الدفء، كانت تكتب ملاحظاتها على دفترٍ جلدي، ترسم خطوطًا واضحة لمشروع تنتظره منذ شهور، وعقلها منشغل بترتيب خطوات الغد، ثم الأسبوع القادم، بل وحتى العام القادم، خطوات مرسومة بإتقان، لا مجال للارتجال، ولا للمفاجآت، كل شيء كان في مكانه، مضبوطًا كعقارب ساعة سويسرية لا تعرف الخطأ، ولكن، وكما يحدث دائمًا في اللحظات التي نظنها عادية، دخل رجل لم تكن تتوقع رؤيته، رجل قادم من ماضٍ دفنته بإحكام، أو هكذا ظنت، جلس أمامها ببساطة، وكأن ما كان بينهما لم ينتهِ، وكأن الغياب لم يمضِ عليه سنوات طويلة، لم يكن الأمر مجرد لقاءٍ عابر، بل لحظة عميقة، كسرت سياق الزمن، وأعادت كتابة الحكاية من جديد،

في لحظة واحدة، تغير كل شيء، شعرت أن ما خططت له تلاشى في الهواء، وأن الحياة أعادت ترتيب أوراقها دون إذنها أو توقعها، منذ ذلك اليوم، فهمت الحقيقة التي كثيرًا ما تجاهلتها، يمكن الوقت يفاجئنا.

 

منذ فجر التاريخ، كان الإنسان يحاول السيطرة على الزمن، حفر أسماءه على الحجارة، وبنى الساعات، وسجّل التواريخ على جدران المعابد والقصور، وكأنه يطمئن نفسه بأن الزمن في قبضته، لكن، وفي لحظة لا يتوقعها، ينفلت الوقت من بين يديه، ويثبت له أنه ليس سوى مسافرٍ على قطارٍ لم يصنع سكّته بنفسه، فالوقت، كما وصفه سانت أوغسطين، ليس ما نظنه أبدًا، نحن لا ندرك الزمن إلا حين يمضي، ولا نفهم قيمته إلا عندما نفقده، ولا نشعر بمكره أو رحمته إلا عندما يفاجئنا بما لم يكن في الحسبان.

 

الزمن، في جوهره، ليس وحدات قياس تحددها الساعات أو التقاويم، بل هو تجربة شعورية بالغة التعقيد، النفس البشرية لا تقيس الوقت بالدقائق أو الساعات، بل تقيسه بالألم والفرح، بالانتظار واللقاء، بالخسارة والانتصار، فساعة واحدة في غرفة العناية المركزة، حيث ينتظر الأب نبض قلب ابنه، تعادل دهورًا من الانتظار، بينما تمر ساعات السعادة مع من نحب كما لو كانت لحظة خاطفة لا تكاد تُمسك.

ويليام جيمس، أحد رواد علم النفس الحديث، قال إن الإحساس بالزمن يتبدل حسب وعينا وانتباهنا، حين نكون في حالة ترقّب، يتباطأ الزمن حتى نشعر أنه يسخر منا، وحين نعيش تجربة مبهجة، يمر الزمن كما لو كان يتبخر، ولهذا، فالزمن ليس حياديًا كما يبدو، بل يتحالف مع حالتنا النفسية، ويتواطأ مع مشاعرنا، ليعيد تشكيل اللحظة حسب ما نشعر به، لا كما هو في الحقيقة.

 

ولكن، ماذا عن تلك اللحظات التي تفاجئنا، وتقلب كل ما نظن أنه مستقر؟ هل هي محض صدفة؟ أم أنها قدر مكتوب ينتظر أن يكشف عن نفسه؟

الفلسفات القديمة اختلفت في الإجابة، فهناك من يرى أن كل ما يحدث لنا قدر لا مفر منه، مسطور في كتاب غيبي لا نملك فيه إلا أن ننتظر فصوله، وهناك من يعتقد أن الصدفة هي الحاكم الأوحد، وأن الحياة أشبه بلعبة نرد، ترمي بنا في طرق غير متوقعة دون منطق أو نظام،

لكن، جاء كارل يونغ، عالم النفس التحليلي، ليقدم رؤية أكثر عمقًا عبر مفهوم “التزامن”، ففي نظره، ليست كل المصادفات مصادفة؛ بل هناك نوع من الأحداث التي تقع في حياتنا في الوقت الذي تكون فيه أرواحنا مهيأة لها، وكأن هناك لغة خفية بين أعماق النفس والكون، تنسج خيوط لقاءات أو أحداث لا يمكن تفسيرها بالمنطق، لكنها تحمل لنا رسالة أو درسًا يتجاوز وعي اللحظة، يحدث أن نفكر في شخص غاب عن حياتنا، فإذا به يظهر فجأة دون ترتيب، يحدث أن نحلم بفكرة، لنجد أن العالم من حولنا يبدأ في التحدث بها، وكأن الحياة كلها اتفقت على إرسال إشاراتها في اللحظة التي نكون فيها مستعدين لفهمها

هذه اللحظات لا تأتي صدفة. هي دعوات خفية من الزمن لنعيد النظر فيما كنا نظنه مستقرًا، لنفتح أعيننا على ما لم نره، ولنفهم أن الوقت ليس خطًا مستقيمًا كما نتوهم، بل هو شبكة معقدة من المعاني والإشارات التي تنتظر أن نعيها.

 

لكن، هل نحن مستعدون لمفاجآت الزمن؟ سؤال أصعب مما يبدو للوهلة الأولى، الحقيقة أن معظمنا يرفض المفاجآت، ليس لأنها مؤلمة دائمًا، بل لأنها ببساطة تخرجنا من منطقة الراحة التي نبنيها حول أنفسنا، نخاف المجهول، ونرتب حياتنا بقلق، متوهمين أن التخطيط المحكم سيمنع عنا المفاجآت، لكن الحياة تثبت لنا عكس ذلك كل مرة،

علم النفس الحديث يتحدث عن مفهوم “المرونة النفسية”، وهو قدرة الإنسان على التكيف مع الظروف غير المتوقعة، وتحويل الأزمات إلى فرص للتطور والنمو، الدراسات الصادرة عن الجمعية الأمريكية لعلم النفس تشير إلى أن الأشخاص الذين يمتلكون مرونة نفسية عالية، لا ينهارون أمام المفاجآت، بل ينهضون منها أقوى، هؤلاء لا يقاتلون الزمن، بل يسيرون معه، يقبلون ما يحدث، ثم يعملون على تحويله إلى تجربة ذات معنى،

الخوف من المستقبل، على العكس، يسرق من الإنسان متعة الحاضر، ويجعل انتظاره لأي مفاجأة مصدر قلق مزمن، وكأن حياته كلها رهينة لحظة لم تأت بعد، وقد لا تأتي أبدًا،

وهنا يكمن السر، المفاجآت ليست دائمًا صدمات أو خسائر، بل قد تكون بداية جديدة، فرصة لم نكن لنراها لولا أن الزمن قرر أن يفاجئنا بها، قصص النجاح الكبرى غالبًا ما تبدأ بلحظة غير متوقعة، بل قد تكون نتيجة لسقوط مدوٍ أو فشل قاسٍ، ظنه صاحبه نهاية، فإذا به بداية رحلة أكثر عمقًا وثراء.

 

في الثقافات القديمة، كان الزمن يُنظر إليه ككائن حي، له روح وحكمة، وليس مجرد وعاء تتحرك فيه الأحداث، الفلاسفة من الشرق والغرب تحدثوا عن الزمن كما لو كان قوة خفية تشكل الحياة والمصير،

الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر رأى أن وجود الإنسان لا يمكن فهمه إلا من خلال الزمن، وأن الإنسان كائن يسير نحو المستقبل دومًا، يحمل معه قلقه الوجودي ووعيه بالزمن الذي يفنى، أما سانت أوغسطين، فقد كتب في اعترافاته أن الزمن لا وجود له خارج وعينا؛ فالماضي مجرد ذكرى، والمستقبل توقع، والحاضر لحظة لا تكاد تثبت حتى تمضي

وفي الأديان، يظهر الزمن في الإسلام، انه هناك إيمان بالقضاء والقدر، حيث كل شيء مقدّر، والزمن مجرد طريق للوصول إلى ما كتبه الله، وفي الفلسفات الشرقية، كالديانات الهندوسية والبوذية، الزمن دائري، يعيد نفسه في دورات لا نهاية لها، والكارما هي التي تحدد ما سنلقاه في هذه الدورات.

 

وربما تكون أكبر مفاجآت الزمن تلك اللحظة التي لا يتوقعها أحد، الموت، تلك الحقيقة التي يتفق فيها الجميع، مهما اختلفت معتقداتهم أو رؤاهم، الموت هو اللحظة التي يثبت فيها الزمن أنه الحاكم المطلق، وأن لا أحد يستطيع الإفلات من قبضته، لكنه أيضًا تذكير دائم بأن الحياة، بكل تفاصيلها، ليست سوى لحظة قصيرة، تسبق المفاجأة الأعظم.

 

إن تأمل هذه الحقيقة يقودنا إلى التصالح مع الزمن، لا كمنافس أو عدو، بل كرفيق رحلة، يحمل لنا المفاجآت، ليس ليعاقبنا، بل ليدفعنا إلى النمو والفهم والتغيير، فالحياة لا تمنحنا دائمًا ما نريد، لكنها تمنحنا دائمًا ما نحتاج.

 

ربما، إذا أصغينا بعمق، سنفهم أن الزمن لا يخدعنا، بل يكشف لنا وجوهًا جديدة من أنفسنا، كنا نظنها غير موجودة، أو لم نتجرأ على اكتشافها، ربما الوقت لا يفاجئنا حقًا، بل يوقظنا فقط.

في حضرة الوقت… من ينتظر من؟

ربما علينا أن نتوقف عن النظر إلى الزمن كما لو كان قطارًا ماضينا يسبقنا، أو وحشًا كامناً يتحين الفرصة للانقضاض علينا في لحظة غفلة، الوقت ليس خصمًا، وليس حليفًا أيضًا؛ بل هو المساحة التي نُمنح فيها لنكتشف أنفسنا، لنفهم لماذا نحن هنا، ولأي غاية نمضي.

 

كثيرًا ما نعيش أسرى الماضي، نجر خلفنا حقائب ممتلئة بالندم، أو نُسجن في قلق المستقبل، نرتب حياتنا بحذر شديد خوفًا من المفاجآت التي لا نرغب بها، ننسى، وسط هذا الصراع، أن الزمن الحقيقي الوحيد هو اللحظة الراهنة، الحاضر الذي نحياه الآن، هو الهدية الكبرى التي بين أيدينا، أما الماضي، فقد انقضى، وترك أثره، وأما المستقبل، فهو غيب ينتظر تشكيله، لكنه ليس في أيدينا تمامًا كما نتوهم.

 

الفيلسوف الفرنسي ميرلوبونتي تحدث عن الزمن الداخلي، ذلك الذي لا يخضع للساعات والرزنامات، بل ينبض في عمق وعينا ووجداننا، الزمن الذي نشعر فيه ببطء أو بسرعة، بالثقل أو بالخفة، ليس سوى انعكاس لصورة أنفسنا في تلك اللحظة، وكلما ازددنا وعيًا بذواتنا، كلما بدأ الزمن يأخذ شكله الحقيقي، لا كما يُفرض علينا من الخارج.

 

وربما، المفاجآت التي يخبئها الوقت ليست عقابًا على سوء تقديرنا، بل هي محاولات الحياة اليائسة لجعلنا أكثر انتباهًا، أكثر يقظة، المفاجأة هي الصرخة الخفية التي توقظ قلوبنا النائمة، لتعيدها إلى حالة الانتباه العميق، إلى حقيقة أن الحياة تتطلب منا أن نكون هنا، في هذا الآن، بكل وجودنا.

 

وهناك بعدٌ آخر لا يقل أهمية، العلاقة بين الزمن والمعنى، نحن لا نخشى مرور الزمن بحد ذاته، بل نخشى أن يمر بلا أثر، بلا معنى، نخشى أن نفاجأ في لحظة ما، بأننا لم نُعش حياتنا كما ينبغي، لم نقف حيث كان يجب أن نقف، ولم نقل ما كان يجب أن يُقال، لهذا، فإن الزمن ليس عدوًا نخشاه، بل مرآة تعكس لنا حجم وعينا، عمق إحساسنا، وقدرتنا على منح اللحظة قيمتها الحقيقية.

 

إن اللحظات التي تفاجئنا ليست دوماً مأساوية أو مدمرة؛ قد تكون أيضًا لحظات نعمة لا نتوقعها، حين تُمد لنا يدٌ في عز يأسنا، أو تفتح الحياة لنا نافذة بعدما أوصدت جميع الأبواب، المفاجآت التي يأتي بها الزمن ليست دوماً نذير شؤم، بل قد تكون فرصة نجاتنا، فقط لو تجرأنا على أن نراها من زاوية أخرى.

 

في نهاية الأمر، لا بد أن نسأل أنفسنا

من ينتظر من؟

هل نحن من ننتظر الزمن ليكشف لنا أسراره؟ أم أن الزمن هو من ينتظرنا لنفيق من غفلتنا، ونفتح أعيننا على حقيقة أن المفاجآت ما هي إلا دعوة إلى وعي أعمق، وفهم أوسع؟

 

ربما يمكن الوقت أن يفاجئنا، لكنه في الحقيقة يفتح لنا نافذة نطل بها على أنفسنا…

وما أعظم تلك المفاجأة حين نكتشف، ولو متأخرين، أننا نحن أيضًا نستطيع أن نفاجئ الزمن، ونمنحه من ذواتنا ما لم يكن يتوقع.